Recherche

الملك محمد السادس يعاقب الحكومة بسبب مشاريع الحسيمة ويعبر عن انزعاجه واستيائه وقلقه

ترأس  الملك محمد السادس الأحد بالقصر الملكي بالدار البيضاء مجلسا وزاريا.

وفي ما يلي نص البلاغ الذي تلاه الناطق الرسمي باسم القصر الملكي عبد الحق المريني بهذا الخصوص:

"ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يومه 30 رمضان 1438 هـ، الموافق 25 يونيو 2017 م، بالقصر الملكي بالدار البيضاء، مجلسا وزاريا.

 على هامش اللقاء – الافطار الجماعي بشاطئ السعيدية يوم السبت 19 يوليوز 2014 - المنظم من طرف الإخوة أعضاء الكتابة الاقليمية لحزب النهضة والفضيلة بوجدة، والذي تخللته جلسة نقاش حول علاقة الدين بالسياسة. إرتأيت أن أقوم بجمع مجمل ما جاء في فكر سبينوزا حول الموضوع، كأرضية أدعو قراء الموقع للمساهمة في النقاش حولها وحول "علاقة الدين بالسياسة" بشكل عام. سنقسم الموضوع الى أربعة أقسام، مع اضافة جزء خاص بموجز من السيرة الذاتية لسبينوزا.

 

I – الحق الطبيعي

II– الحياة الاجتماعية /المجتمع المدني  أوميلاد الدول

III– وظائف الدولة و مسؤولياتها أو مفهوم الحرية

IV - فصل الدين عن الدولة

V - ختاما سيرة ذاتية للفيلسوف باروخ سبينوزا

 

I– الحق الطبيعي :   

الحق الطبيعي (باللاتينية ius naturae )، هو مجموعة من الحقوق التي يكتسبها الفرد بالطبيعة. ويجب على المجتمع وسلطاته أن تؤمن الشروط (على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية)، لجعل ممارستها وصيانتها أمرًا ممكنًا، ومحاربة الحواجز التي تحول دونها أو تنتهك حرمتها[i]

 

في فلسفة سبينوزا الحق الطبيعي هو القانون الطبيعي العام . و نشير أنه لم يكن الفيلسوف الأول الذي يتطرق للموضوع فقد سبقه توماس هوبز[ii] إلى ذلك، لذا لا بد من الوقوف عند ما يختلف به سبينوزا عن  هوبز في هذا المجال. في حين  هوبز يصور حالة الحق الطبيعي كوضع يغيب فيه القانون و يخضع الفرد لنزوعات الغريزة الشريرة تحوله إلى ذئب لأخيه الإنسان. نجد سبينوزا (على العكس من ذلك) يعتبر الحق الطبيعي مبنيا على قانون أساسي تخضع له كل الكائنات و هو مبدأ الحفاظ على الذات. يقول سبينوزا " أعني بالحق الطبيعي نفس قوانين الطبيعة ذاتها أو قواعدها التي يحدث كل شيء وفق لها، أي بعبارة أخرى قوة الطبيعة ذاتها ....و على ذلك فكل ما يفعله الإنسان وفقا لقوانين طبيعية يفعل بحق طبيعي كامل، و يكون له من الحق على الطبيعة بقدر ماله من القوة ".

من بين الحقوق الفردية المتداولة في الفكر السياسي نجد:

-         الحياة

إن حق الحياة محفوظ لكل إنسان (هبة إلهية أساسًا)، ومن ثم فهي مصونة ومحترمة منذ لحظة الحبو حتى الممات بشكل طبيعي، ومن واجب الإنسان الحفاظ على حياته[iii] ويغدو "كل ما يضاد الحياة نفسها، كأنواع القتل والوأد والإجهاض والإجهاز على المرضى والانتحار مشينة ومرفوضة[iv]"، الحق في الحياة لا يسقط في حال الإجرام: "من حق السلطة الشرعية إنزال العقوبة التي تتناسب وحجم الجرم حفاظًا على النظام العام، إلا أنّ إعدام المجرم هو تدبير قاسي إلى أقصى حد، ولا يجوز للدولة أن تتخذه إلا في حالات الضرورة المطلقة، وتستند هذه الضرورة إلى استحالة حماية المجتمع البشري، من المجرم إلا بإعدامه، ولكن هذه الحالات نادرة جدًا إن لم نقل غير موجودة[v].

-         الحرية

إن الحرية تعني التخلي عن كل شكل من أشكال الإخضاع والإكراه[vi]، و هي إحدى ميزاته عن سائر الخلائق[vii] وعندما "ينظم المجتمع ذاته، بحيث يقلّص بطريقة اعتباطية المجال الشرعي لممارسة الحرية، ينجم عن ذلك تفكك الحياة الاجتماعية ودخولها البطيء طور التفكك والانحطاط[viii]  . تشمل الحرية، إلغاء الرق والسبي والعبودية، وأشكال العنصرية والتمييز لاسيّما ضد المرأة والطفل والأقليات، وضمان مشاركة جميع أبناء المجتمع في بناء مجتمع على مختلف الأصعدة ومنها السياسية[ix] .  ولا يمكن أن تفصل الحرية عن حرية الفكر والتعبير والإبداع.[x]

-         الكرامة والمساواة

تعتبر الكرامة البشرية من حقوق الإنسان اللصيقة به، وتجعل من التعذيب وأساليب الترويع والاستفزاز والإرهاب المتعمد، والعنصرية، وحالات التشهير "المستقبحة"، وقطع الأعضاء، والتعذيب الجسدي والمعنوي، والضغط النفسي، وأوضاع الحياة المنحطة، والسجن دون مبرر، والسبي والاستعباد، والبغاء، والمتاجرة بالنساء والأولاد، وكل ما من شأنه تحطيم إنسان ما نفسيًا ومعنويًا عملاً مرفوضًا...  بالمقابل حق المساواة، يضمن فرص متكافئة لجميع البشر، ويمكنهم جميعًا وبالمقدار ذاته من ممارسة حقوقهم الطبيعية.

-         الملكية الخاصة

أهمية الملكية الخاصة ازدادت في أواخر القرن التاسع عشر بعد أن ظهرت مذاهب فكرية كالاشتراكية التي تحظر الملكية الخاصة بشكل عام، و الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج بشكل خاص.

في حين  دافعت مذاهب فكرية أخرى عن حق الملكية الخاصة لكل إنسان: "إن الهدف المباشر الذي يسعى إليه العامل، هو أن يحصّل رزقًا يصبح خاصًا له ويمتلكه بنفسه، ...، فما ينتظره من عمله ليس الحق بالأجر فحسب بل الحق الملزم والقاطع أن يتصرف بأجره كما يشاء. فإذا استطاع أن يوفر بعضًا من مدخراته ليشتري بها حقلا مثلاً، فمن البديهي أن هذا الحقل ليس سوى أجر العامل ذاته وقد تحول إلى شيء آخر[xi]".

وكذلك، "فإنّ الملكية الخاصة تميّز الإنسان عن الحيوان: "يجب أن نعترف للإنسان، ليس فقط بالقدرة على استخدام الأشياء الخارجية، وهذا ما تشترك به كل الكائنات الحية، بل بالحق الثابت والدائم بامتلاكها، سواء ما سيتهلك بالاستعمال أو يبقى بعد استخدامه".

 بكل الأحوال، فإن بعض الخيرات ذات طبيعة لا تقبل البيع أو الشراء، وبالتالي فملكيتها يجب أن تكون عامة، ويحق للسلطة الشرعية أيضًا أن تحدد سقف الملكية في الحالات الخاصة.

-         الزواج وتأسيس عائلة

من حق الإنسان الطبيعي أن يختار دون ضغط أو إكراه شريك حياته. وللزوجين يعود تحديد عدد الأولاد، وطرق تربيتهم، ولا يجوز للمجتمع أو السلطة التدخل، إلا في حال فشل الوالدين في التربية.  بما أن  "الأسرة هي الخلية الأساسية الأولى للبيئة البشرية، وفيها يتلقى الإنسان المبادئ الحاسمة والمتصلة بالحق والخير. ويتعلم معنى الحب، حب الآخرين له، وبالتالي يكون الإنسان في الواقع إنسانًا، ....، إنّ الأسرة هي «قدس أقداس الحياة»، و«هبة الله»، و«مهبط الحياة وحضنها اللائق».

-         الثقافة

من حق الإنسان الطبيعي أن ينال التعليم اللازم لتهذيبه وتثقيفه، ومن واجب المجتمع والسلطة، أن تضمن هذا الحق في تربية مدرسية صالحة "ساهرة على كفاءة المعلمين، ومستوى الدروس، وصحة التلامذة"، . و  حق الثقافة يشمل أيضًا أنه "للمجتمع البشري، حق في الإعلام، عمّا يهمّ الناس أفرادًا كانوا أم جماعة، وحسب أوضاع كل واحد منهم".

-         حرية التدين

يشمل حق التدين، ضمان حق كل إنسان في ممارسة شعائر دينه دون تضييق، و"لا يجوز للسلطات أن تستعمل القوة أو التخويف أو وسائل أخرى لتفرض على المواطنين المجاهرة بالديانة أو رذلها، أيًا كانت تلك الديانة، أو تمنع أحد من الانضمام لجماعة دينية أو تركها".

-        .... على نفس المنوال تم تحديد مجموعة من الحقوق الطبيعية الأخرى، لكنها أقل أهمية من الناحية السياسية من المذكورة أعلاه.

 

 

على كل حال، مادام الحق الطبيعي هو وضع مشروع تماما و لا يحمل أي قيمة سلبية، لأنه ينسجم مع قانون الطبيعة ككل، والقائم على مبدأ الضرورة التي تخضع لها كل الكائنات، نلاحظ أن سبينوزا  يجعل جسر تواصل بين الحقوق الطبيعية و الحقوق المدنية حيث يعتبر أن ميلاد الدولة كان امتدادا طبيعيا للحقوق الطبيعية (حالة من التصرف و الوعي الإنساني المنسجم مع الوجود الكوني ككل).

 

وقد تأتى ذلك من خلال الاحتكام التدريجي للعقل الذي قاد الناس إلى نوع من التعاقد والعيش وفق قوانين محددة، في حين يعتبر أن الاعتماد المفرط على القوة سيؤدي  إلى إفلاس الحالة الطبيعية: " إن الناس فطروا على ألا يستطيعوا العيش دون قانون عام"[xii].

 

II– الحياة الاجتماعية /المجتمع المدني  أوميلاد الدولة:

 

تنتهي النظرية الأخلاقية عند سبينوزا خصوصا في كتابة Ethique إلى إلى عدة ثوابت، سنتطرق إلى ثلاث منها:

 

الثابت الأول يشدد على أهمية الحياة الاجتماعية و تمجيدها من حيث أنها هي التي تحقق كمال الشخصية الأخلاقية الفردية و تضمن الحرية الحقيقية للإنسان، إذ ليس من الممكن الحديث عن أخلاق أو عن حرية أو عن اكتمال إنساني داخل حالة الطبيعة. إن هذه الفضائل التي يتميز بها الإنسان عن باقي المخلوقات تجد تجسيدها في الحياة الاجتماعية.

 

وبهذا يكون، حسب سبينوزا، المجتمع المدني امتدادا طبيعيا لحالة الطبيعة، و ليس تجاوزا لها أو حالة تتعارض معها، كما كان الأمر مع هوبز أو غيره. فالحالة المدنية ـ الاجتماعية ستتولد من رحم مقتضيات حالة الحق الطبيعي. لكون الاعتماد المفرط على القوة و اصطدام القوى فيما  بينها يعمق الخوف في النفوس. إن الحق الطبيعي يحتم على كل إنسان العيش في أمان و الحفاظ على حياته باستمرار.

 

و بما أن الجميع مقتنع من أن انتزاع الحق بالقوة سيؤدي إلى إفلاس الحياة الفردية و الجماعية الطبيعية. يصبح من الضروري أن يهتدي البشر إلى استخدام العقل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 

 

الثابت الثاني الذي تقوم عليه الحياة المدنية في نظر سبينوزا هو تقسيم العمل "إن تكوين المجتمع لا يفيد في الامكانيات الدفاعية فحسب و إنما يفيد أيضا في أمور عديدة ، بل له ضرورة مطلقة من حيث أنه يتيح تقسيم العمل، و لو لم يقدم الناس مساعدة متبادلة بعضهم لبعض لما توفرت لأحد القدرة أو الوقت اللازم لتزويد نفسه بما يلزم لعيشه و بقائه، و أكرر القول إن القوة و الوقت يقصران إذا ما تعين على كل شخص أن يحرث و يبذر و يحصد و يطعم... أي يحضر كل شيء يحتاجه لنفسه بنفسه.

 

كما ان للعلوم و الفنون ضرورة مطلقة لكمال الطبيعة البشرية و سعادتها و إني لأرى أن حياة الناس الذين يعيشون في حالة الهمجية الجهولة، حياتا بائسة أشبه بحياة الحيوان"[xiii].

 

الثابت الثالث، البشر خاضعون لسيطرة الانفعالات التي تؤدي بهم إلى الحقد و الكراهية و الصراع من منطلق السعي الفردي لحفظ الحياة . وبالتالي ف"الوسيلة الوحيدة لنجاتهم من الأخطار المحيطة بهم من كل جانب هي توحيد قواهم"[xiv].

 

ما  تجدر الإشارة إليه هنا أن سبينوزا على عكس هوبز لا يتخذ موقفا سلبيا من الطبيعة البشرية، إذا كان هوبز  "يقول" " الإنسان ذئب للإنسان" فإن سبينوزا يقول " إن الإنسان إله لأخيه الإنسان" في الرسالة رقم 30 إلى أولدنبرج يقول سبينوزا " أما أنا فلا تثيرني هذه القلائل ضحكا و لا بكاء و إنما تدفعني إلى التفلسف و إمعان النظر في طبيعة البشر إذ لست أعتقد أن من حقي أن أسخر من الطبيعة أو أن أشكو منها لأنني أرى أن الناس شأنهم شأن سائر الموجودات ليسوا إلا جزءا من الطبيعة..."

 

نخلص إذن الى أن ميلاد المجتمع المدني يشكل خطوة مهمة على درب العيش وفق منطق العقل حسب سبينوزا. غير أن الانفعالات تسيطر على الجزء الأكبر من رغبات الناس فالعيش داخل المجتمع هو الإطار الذي يكفل تربية الناس و ترسيخ قواعد العقل في سلوكهم و شخصيتهم.

 

إذا كان العقل في حالة الحق الطبيعي يصبح موجها من طرف الغرائز و الانفعالات تبعا لمبدأ المحافظة على الحياة (حفظ الذات) فإن العقل في الحالة المدنية يصبح مهيأ ليدرك أن حفظ الذات لا يتم إلا داخل حفظ جماعي، يتعلم الإنسان أن يكون عضوا داخل الجماعة و مصلحته لا تتحقق إلا في إطار تضامن جماعي. يقول سبينوزا:"و الآن سأعرض الشرط الذي يمكن أن يتكون به مجتمع إنساني دون أي تعارض مع الحق الطبيعي، ويمكن به احترام كل عقد احتراما تاما. هذا الشرط يكمن في أن يفوض كل فرد للمجتمع كل ما له من قدرة. بحيث يكون لهذا المجتمع الحق الطبيعي المطلق على كل شيء، أي السلطة المطلقة في إعطاء الأوامر التي يتعين على كل فرد أن يطيعها إما بمحض اختياره و إما خوفا من العقاب الشديد. و يسمى نظام المجتمع الذي يتحقق على هذا النحو بالديمقراطية"[xv].

 

نستنتج من هذا القول أن سبينوزا لا يقيم أي فصل بين المجتمع المدني و الدولة كجسم سياسي  ، الدولة هي المجتمع و المجتمع هو الدولة. بمعنى أن الدولة هي امتداد لجسم اجتماعي و ماهية هذه الدولة هي تفويض جماعي بناء على تعاقد بموجبه يتنازل الأفراد عن حقوقهم في اتخاذ القرار إلى الحاكم سواء كان فردا أو هيئة.

 

إن الحياة الاجتماعية بما هي امتداد للحياة الأخلاقية لا تتحقق إلا داخل الدولة كإطار يتحقق فيه التضامن ويسود فيه الأمن و الفضيلة. فلا بد أن تتجسد كل هذه الفضائل في إطار قوانين ترسم قواعد العقل و تجسدها، هنا لا بد من الإشارة إلى تطابق مفهومي العقل و القانون أو على الأقل توحدهما، " لو كان العقل وحده هو الذي يسيطر على أفعال الناس لما احتاجوا إلى قانون"[xvi].

 

و من هنا احتاج كل مجتمع إلى حكومة و قوانين لردع أفراده، مما أدى إلى نشأة التنظيم السياسي الذي هو أعلى أنواع التنظيم:" إذ لو أزيلت الحكومة لما بقي للإنسان من خير" " و على كل ذلك فالمصلحة العليا هي القانون الأعلى الذي ينبغي أن يخضع له كل قانون آخر، سواء كان إلهيا أو بشريا"[xvii].

 

إن القانون الذي يفرض على الإنسان تمجيده، هو المصلحة العليا (أي المصلحة العامة) التي يمثلها القانون نفسه، و ترعاها الدولة و الحكومة، و البرهان على هذا عند سبينوزا هو لو احتكم كل واحد إلى غرائزه و مصلحته الفردية لانهارت  هذه المصلحة العامة التي يجد في ظلها كل واحد أمنه و سعادته.

 

 التنازل،إذن، عن الحقوق الطبيعية الفردية ليس إرادة ذاتية  خاضعة لاختيار الأفراد، بل ضرورة عقلية أو حتمية منطقية.

 

الدولة على هذا الأساس ليست مجموع الإرادات الفردية و ليست محصلة سلطات الأفراد، بل هي كيان له سلطته المعنوية الخاصة به التي تطاع لذاتها. تتحول الدولة إلى كائن اجتماعي إلى جانب الأفراد، لها من الحق ما لهم، وليست زائدة أو مضافة بالعرض إلى المجتمع بل هي المجتمع في حقيقته الفعلية.

                             

الدولة باعتبارها كيانا عموميا:  تمثل كل المواطنين، و تدبر شأن المجتمع، و لها الحق الكامل في وضع القوانين و تأويلها إذا ما ظهر شك بشأنها،  و أيضا لها حق البث في مدى ملائمة التشريعات للظروف و الحاجة لتعديلها أو لسن تشريعات جديدة ، لها حق الدخول في الحرب وحق السلم  وحق المفاوضات، كما يشمل هذا الحق  الحكم على الأفعال الفردية و فحص المسؤوليات و إدانة المجرمين و البث في الخصومات و الدعاوى القانونية.

 

بقي أن ننبه فقط، أن الدولة التي يمنحها سبينوزا هذه الصلاحيات التي تتخذ قيمة أخلاقية و أنطولوجية يجسدها  في واقع الأمر في شخصية الحاكم الذي يسن القوانين و يسهر على تطبيقها و يلزم الأفراد بالطاعة.  لكنه سرعان ما يستدرك حينما يعتبر أن هذه الطاعة ليست  خضوعا و عبودية بل هي واجب أخلاقي و ضرورة عقلية.  بل يضع شروطا للحاكم،  من بينها:

 

-                     الاسترشاد بالعقل و عدم الانقياد وراء الانفعالات و الغرائز، فكلما احتكم الحاكم إلى العقل أدرك واجباته نحو حماية المصلحة العامة للأفراد و ضرورة خدمتها.

              

-                     لا بد أن يكون الحاكم مثله مثل باقي المواطنين خاضعا لنفس القوانين السائدة، فإن كان الحاكم فوق القانون يكون قد خرج عن الاتفاق و هدد المصلحة العليا و بالتالي أصبح من الواجب مقاومته.

 

-                     لا يهم إن كان هذا الحاكم فردا أو هيئة طالما كان هناك التزام بالعقل و احترام للقوانين ، لكن يستحسن أن تكون هناك هيئة استشارية إلى جانب الحاكم حتى تقوم تفكيره و قراراته ، لا يمكن أن تكون هذه الهيئة مقررة لأنه لا يجوز أن توجد قوى متطابقة في قوتها و إرادتها،  في الفصل" السابع من رسالة في اللاهوت و السياسة"لا يرى سبينوزا حرجا في أن يكون الحاكم " ملكا "، بشرط أن يكون إلى جانب الملك مجلس كبير منتحب من طرف الشعب". لذلك يمزج سبينوزا بين الملكية و الجمهورية، حتى و إن ظل سبينوزا يفضل النظام الجمهوري لأنه يجسد مبدأ حكم الشعب عن طريق ممثليه، لكن ملكية ديمقراطية خير من استبداد مطلق.

 

                         

يسجل الكثير من الباحثين أن  أفكاره أنعشت آمال الديمقراطيين والأحرار في هولندا في ذلك الوقت، كما يقال أن  جان جاك روسو[xviii] الفرنسي استقى منها أفكاره التي تغذى بها شباب الثورة الفرنسية في بداية القرن التاسع عشر.

           
بالنسبة لسبينوزا يرى أن السياسية  أو الفلسفة السياسية على وجه التحديد تنبع من الاختلاف ما بين  النظام المولود من الطبيعة وبين الأخلاق النابعة من الشعور عن المسؤولية بعد انتظام المجتمع. فيقارن بين المجتمعات البدائية ويقول: " لم يكن هناك خير وشر ويشك بوجود مفهوم الفضيلة عندهم، فالقانون السائد كان قانون القوة آو الغابة".

في تعليق جميل له حول دور القانونين الطبيعية في الحياة الاجتماعية يقول: " إن قانون الطبيعة وشريعتها لا يقيد رغبات الإنسان ولا يعارض الصراع بين الناس، ولا يمانع الخيانة والبغض والغضب أو أي شيء ترغب النفس فيه".

 

 

III– وظائف الدولة و مسؤولياتها أو مفهوم الحرية:

 

أ‌-       مفهوم الحرية:

يظن سبينوزا أن كل شيء في هذا الكون يجري تحت نظام منطقي دقيق، لذلك لا يوجد مجال لوجود حرية الفرد (الاختيارية)، كل شيء يحدث في الطبيعة هو آت من إحدى طرق تدخل الله الخفية في الطبيعة ولهذا من المستحيل منطقيا حدوثها بطريقة مغايرة. من هنا يكون موضوع الخطيئة والخير والشر موضع الشك.

 

- الخير والشر:

سبينوزا لا يتفق مع تعاليم الدين اليهودي أو أي ديانة أخرى في تفسير مفهوم الخير والشر، ويرى أن ما تظنه شرا لنفسك قد يكون خيرا لشخص أو مجموعة أشخاص أخرى، إذا الخير والشر هي قيم نسبية أعطاها الإنسان للمواضيع العامة حسب فائدته أو مضرته منها.

 

- القدرية:

بما أن كل شيء يحدث هو نتيجة لتدخل الله بصيغة أو بأخرى، فالعالم مجبر وليس مخير، أي أن العالم مجبر على أن يسير في طريقه، لأن هناك قانون يسوقه ، فهو كلَ متكامل متحرك بصورة شمولية لهذا فإن مصطلح الخطيئة يفقد معناه ويصبح غير موجود أصلا، لأن كل الأجزاء تتحد بقانون أو إرادة شاملة للنظام الكلي. وبهذا يكون فهمنا للأمور وتفسير مجرياتها على أنها تتأثر بنا أو بمصلحتنا نظرة قاصرة عن معرفة الحقيقية.

 

- الأخلاق:

في كتاب الأخلاق، كان شرحه معتمد على المنهج الهندسي في الشرح والبرهان، فكأنه يتحدث عن السطوح والمساحات والخطوط والأجسام الهندسية والبديهيات الأقليدية[xix]. ففي كل مقطع تراه يضع تعاريف وبديهيات و جمل تعليمية مع براهين ثم يخلص إلى نتائج وأحكام مساعدة وملاحظات، وأخيرا الى مسلمات. أراد سبينوزا التخلص من النظام الغائي (من الغاية أو الهدف، والقصد هنا ما يجلب النفع للإنسان، أي كل شيء في الطبيعة هو خلق كي يخدمهم ويجلب لهم نفعاً) وإيجاد معايير أخرى للحقيقة .


لذا قسم كتابه في الأخلاق إلى خمسة مواضيع مهمة هي ( الله، النفس وطبيعتها واصلها، الانفعالات، عبودية الإنسان، وأخيرا قوة العقل وحرية الإنسان).


في الموضوع الأول خلص إلى نتيجة مفادها : " إذا كان تصور الله خاطئاً، فإن صورة الإنسان لا يمكن أن تكون صحيحة" فالله بحسب تعريفه " هو الجوهر الذي لا يحتاج إلى جوهر آخر مشتق منه، " وكان تعريفه هنا مشتق من المبدأ الأول في تثليث الفيلسوف الكبير أفلاطون.

 

لكنه يخلص إلى أن أنواع القيم أو الأخلاق هي ثلاثة حسب طريقة أو أسلوب تطبيقها والغاية منها:


أولا-  الأخلاق الإنسانية اللينة التي هي التواضع والتسامح والتضحية من اجل القريب، هي أخلاق موجودة في الديانتين المسيحية والبوذية وتميل إلى النظرة الديمقراطية في إدارة الحياة.

ثانياُ-  الأخلاق التي تعتبر أن الفضيلة تنبع من استخدام القوة، (المبدأ الذي أتى به فيما بعد نيتشه[xx] وقبله ميكافيلي[xxi]).  وهي على عكس المجموعة الأولى، بل فيها نجد أن المبدعين والعباقرة كثيرا ما يخسرون فرصتهم في الوصول إلى هدفهم.


ثالثاً- الأخلاق المستمدة من المعرفة الحقة التي نادى بها الفلاسفة العظام من مثل أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم. لأنه من خلال المعرفة يمكن اتخاذ القرار الصائب حسب الحاجة.


بعد ذلك حاول سبينوزا إيجاد حل توفيقي بين النظريات الثلاثة في الأخلاق. فهو لا يريد معارضة الحالة الطبيعة التي يؤمن بأنها حقه و منبعها من الجوهر ، و فيها يجري القانون الشمولي الأعم الذي يمثل الله، لذلك نجده ركز جهوده في الدفاع عن الذات وعدم التضحية بها من اجل الآخرين.

 

فهو يرى أنه طبيعيا – قانون طبيعي -  أن  تدافع الذات عن ذاتها بصورة غريزية. بل لا يبتعد كثيرا عن تعاليم المسيح ، حين يجعل من الفهم مفتاح لحل كل المشاكل كما هو الشأن لدى فلاسفة الإغريق، لكن في نفس الوقت يتفق مع نيتشه بأن التواضع لا يخلق إلا الضعف والتشاؤم والشقاء وانحطاط الذات. فهو يؤمن أنه يجب العيش بحسب الرغبة أو الأنانية المزروعة طبيعيا في الإنسان، بمعنى كل ذات يجب أن تدافع عن ذاتها وإلا لن يكون هناك من يدافع عنها.

 

ب‌-   مسؤولية الدولة:

فيما يتعلق بمسؤوليات الدولة و مهامها لابد أن نشير بشكل إجمالي إلى أن سبينوزا يحددها في مسؤوليات كبرى تتعدى ما هو سياسي لتشمل المستويات الأخلاقية و الانطولوجية. فبمجرد ما يتنازل الأفراد عن بعض حقوقهم للدولة تصبح هذه الدولة هي المسؤولة عن مجال الأخلاق و المجتمع ككل، و إذا ما ظهر انحراف عام في سلوك الأفراد فمن الواجب أن تلام الدولة على ذلك لا الأفراد.

 

حيث يقول:" من المؤكد أن الفتن و الحروب و كسر القوانين أو خرقها لا ينبغي أن تعزى إلى وجود الشر في الرعايا بقدر ما تعزى إلى سوء حالة نظام الحكم ذاته. ذلك لأن الناس لم يخلقوا صالحين لأن يكونوا مواطنين، و إنما ينبغي أن يجعلوا صالحين لذلك، و فضلا عن ذلك فإن انفعالات الناس الطبيعية واحدة في كل مكان، فإذا ما استشرى الفساد في مكان ما،  و ازدادت الجرائم انتشارا في دولة دون الأخرى فلا بد أن الدولة الأولى لم تمض في عملية توحيد رعاياها كما ينبغي، و لم تضع قوانينها ببعد نظر كاف، و بذلك تكون قد أخفقت في استخدام حقها في ممارسة الحكم"[xxii].

 

إن المسؤولية المباشرة للدولة على المستوى الاجتماعي و السياسي، هي ضمان أمن الأفراد و حريتهم: " فالهدف النهائي للحكم ليس السيطرة على الأفراد و قمعهم بالخوف و ليس فرض الطاعة عليهم، و إنما هو بالعكس من ذلك تحرير كل شخص من الخوف حتى يعيش في اطمئنان تام، و بعبارة أخرى تأكيد حقه الطبيعي في أن يعيش و يعمل دون أن يلحق غيره بضرر"[xxiii].

 

و حتى يبعد سبينوزا كل احتمال لفهم موقفه على أنه تنظيم و إثبات لمشروعية استبداد الدولة على حساب المواطن: يقول :" كلا ليس هدف الحكم تحويل الناس إلى بهائم أو ألاعيب و إنما تمكينهم من تنمية عقولهم و أجسامهم في أمان، واستخدام أذهانهم دون قيد..... بل إن الهدف الحقيقي للحكم في واقع الأمر هو: الحرية"[xxiv].

 

إن قيام الدولة بكل مهامها مرهون بقدرتها على تحقيق الحرية... أي أن حق الدولة يقاس  بقوتها وقوة الحقوق الطبيعية التي يتمتع بها الأفراد في ضلها... لذا فالدولة لا بد وأن تمتلك كل الوسائل القانونية و غيرها (اللوجيستيكية) التي تمكنها من القيام بمهامها حتى ولو تعلق الأمر بفرض القانون بالعنف.

 

سؤالان نطرحان في هذا المستوى:

 

-         أولا : كيف يكمن التوفيق بين استعمال الحق الطبيعي للدولة و الحقوق الطبيعية للأفراد أو ما يسمى حاليا بالحريات الفردية؟

 

-         ثانيا : ما علاقة ذلك بمفهوم الحرية عند سبينوزا؟.

 

يوضح سبينوزا في الرسالة  58 لأودلينبرغ تصوره للحرية ،حيث يقول : "يكون الشيء في نظري حرا عندما يتحكم شيء آخر في وجوده تبعا لقاعدة محددة".

 

الحرية من خلال هذا التصور لا تتعارض مع الضرورة، فالحرية هي ضرورة باطنية و هذه الضرورة الباطنية هي قانون العقل الذي ينسجم بدوره مع الضرورة الطبيعية الشاملة. أما ما يعتقد الناس بأنهم أحرارا فيه، فيعود في واقع الأمر إلى جهلهم بالأسباب و الضرورات التي يخضعون لها.

 

هذا المعنى العام للحرية يجعل من تصور سبينوزا على قدر من الموضوعية التي تميزت بها العلوم والفلسفات فيما بعده.

 

إذن الدولة مطالبة بالسهر على حرية المواطنين، و أن حريتهم لا تكتمل و لا تحقق إلا داخل إطار الدولة، التي تضمن لهم الأمن و تبعد عنهم شبح الخوف و التهديد، بفعل التعاقد و احترام القوانين، فالحرية الفردية  ليست مطلقة و إنما خاضعة لضرورة العقل الملزم بدوره باحترام القواعد العقلية – القانونية.

 

كما أنها –أي الدولة- مطالبة بتوفير شروط الحرية الفكرية المطلقة بدون قيد أو شرط. يمكن للأفراد أن يتنازلوا على جزء من حرياتهم الأخرى، كحرية التملك أو حرية التنقل إذا ما تبث أنها مضرة للغير أو للمصلحة العامة، و لكن لا يحق لأحد إرغامهم على التنازل عن حقهم في حرية التفكير و التعبير يقول سبينوزا في هذا الشأن: " حتى وإن سحقت الحرية و أذل الناس إلى درجة عدم الجرأة  على الهمس إلا بأمر حكامهم، - رغم ذلك -  فمن المحال المضي في هذا إلى حد يجعل تفكيرهم مطابقا لتفكير السلطة السائدة، لأن النتيجة الحتمية لذلك هي أن يفكر الناس كل يوم في شيء و يقولوا شيء آخر، فتفسد بذلك طبيعتهم و ضمائرهم...و يكون في ذلك تشجيع لهم على النفاق و الغش"[xxv].

 

يضيف سبينوزا" أيستطيع المرء أن يتصور نكبة تحل بالدولة أعظم من أن يٌنفى المواطنون و كأنهم مجرمون لا لشيء إلا لأنهم يؤمنون بآراء مخالفة لا يستطيعون إنكارها؟؟؟"[xxvi].

 

إن الحرية الفكرية تضمن للناس النقاش و التفكير السليم الذي ينمي ملكاتهم العقلية و يوسع مداركهم و يصبحون بالتالي مواطنين صالحين بابتعادهم عن الجهل و النفاق و التملق، لهذا كانت الحرية الفكرية دعامة لبناء الدولة الديمقراطية.

 

IV - فصل الدين عن الدولة[xxvii]

 

ربما يكون اكبر اثر تركه سبينوزا في فلسفته الميتافيزيقية هو "هوية الله"، فالكثير من المعلقين والمفكرين يدرجونه في قائمة الملحدين و من مدرسة الحلولية. فهو يتفق مع الفيلسوف الإغريقي بارم نداس بان الوجود واحد، وانه هناك مادة واحدة في الكون التي هي الله او الطبيعة. لا يوجد أي مواد دقيقة حسب النظرية الذرية لديمقريطس تملء الفراغ.

 

وهو عكس ديكارت الذي قسم الوجود إلى ثلاثة : المادة والروح والله. كان اهتمامه منصب في مفهوم الله أكثر من العقل والمادة، مادام الله هو خالق كل الاشياء وكذلك له القدرة على ازالتها الى العدم، لكن تفسيره يختلف كليا عن تفسير الفلاسفة الاخرين عن تدخل الله في الطبيعة بحيث يجعلك تفهم بان الله و الطبيعة شيء واحد كما الحال بالنسبة للفلسفة الحلولية. من هنا خلص البعض الى سبينوزا ينتمي للمدرسة الحلولية.

 

ما يهم موضوعنا هنا، هو كونه استعمل  ثلاث مصطلحات مهمة في تحليله هي:

الجوهر : ويعني به، الحقيقة الثابتة التي يرتكز عليها بناء العالم والمتمثلة بالقوانين التي تُسير الطبيعة.


الصفة : ويعني بها مظهر من مظاهر الحقيقة او الجوهر غير المتناهية كالامتداد او الفكر.


العرض: ويعني به الشيء المجسم او اي فكرة او حادث ، وجوده وقتيوغير ثابت في الزمن بل يمكن أن يزول. فأنت وجسمك وفصيلتك ونوعك وكواكبك وكل الأشياء المحيطة بك هي صور وأشكال وهيئات زائلة (أعراض) لحقيقة ابدية خالدة، ثابتة، غير متغيرة تقع وراء هذه الاشياء وتحتها. (يشبه تصوره هذا ما ذكره أفلاطون في نظرية: المثل).

 

لا بأس، لكن كيف سيفسر سبينوزا الحقيقية التي تقع تحتها كل الأشياء؟. لأن الجواب على  هذا السؤال سيشكل قلب فلسفة باروك سبينوزا.

الحقيقية عنده تعني الجوهر كما قلنا، ولكن لا تعني فقط المادة (الكتلة او الجسم الذي يكون الشيء منه) ، كأن نقول الخشب يشكل مادة الكرسي.... بل من خلال شروحاته يصل القارئ إلى الجوهر بالنسبة لسبينوزا هو النظام الشمولي الأبدي المعروف وغير المعروف لهذا الوجود.

 

وبالنسبة لسبينوزا كلمة الجوهر تعني دائما الطبيعة والله معاً. فهو يتصور ان الطبيعة والله هما وجهان لنفس الصفحة.

فهو يرى أن هناك:

- طبيعة فعالة لها القابلية للخلق والإبداع

- طبيعة مخلوقة:  التي تشكل عالم المادة وما تحتوي من المخلوقات مثل الغابات والهواء والماء والنهر والنبات كل الأشياء الموجودة في الطبيعة.

 

هكذا يصل الى المرحلة النهائية ليرى الكون والطبيعة ( الطبيعة هنا لا يقصد بها الطبيعة المادية فقط وانما كل شيء له وجود من جوهر وعرض وصفة) كلها تشكل الجزء الفعال (أي قوة فاعلة) التي يسميها الله وفيها اشياء مخلوقة وهي أعراض الأشياء أو المواد الموجود في العالم.


فإذن سبينوزا أيضا كأفلاطون يرى أن في الوجود شيئان هما الجوهر والعرض، الجوهر يمثل الحقيقية الأبدية، والعرض هي الأشياء الطارئة الزائلة، ولكنهما في ارتباط شديد مع بعضها بحيث كل جزء من العرض هو نتيجة لإرادة أو خلق الجوهر.


لكن سبينوزا في شروحاته رفض الاتهام الذي وجه إليه من كل الجهات بأنه حلولي، لا سيما من رجال الدين اليهود، لأنه يقول أن الطبيعة المادية والله شيء واحد. وإنما يعني أن كل الأشياء تتألف من طبيعة الله الخالدة اللانهائية كما ينشأ من طبيعة المثلث أن مجموع زواياه الثلاثة تساوي 180 درجة. فالله هو السلسلة السببية الكامنة وراء كل شيء ، وهو القانون الذي يركب العالم والأشياء. ويضرب سبينوزا مثالاً آخر حيث يشبه : "العلاقة بين هذا الكون المتماسك  مع الجوهر(الله) بمثابة الجسر الذي يعتمد وجوده على تركيبته والقوانين الرياضية والميكانيكية التي اعتمد عليها في تصميمه وبنائه".


إذن، الاستنتاج الأخير من فلسفة سبينوزا هي أن القوانين الموجودة في الكون وإرادة الله هما شيء واحد. بمعنى آخر أن المادة والعقل ليسا إلا شيء واحدا. فهو لم يتبنى فكرة ديكارت[xxviii] الذي فصل المادة عن العقل ووضع سلطة الله فوق الاثنين.

سبينوزا لا يرى الله شخصا كما تصوره لنا الكتب الدينية، كما شرح موضوع الخير والشر والجمال والقبح ووضح إنها تعابير إنسانية نسبية لا تمت للحقيقة بأي شيء، لذلك أن شخصية الله ليست كما يتصور الإنسان أنها تسمع أو تتكلم أو ترى.


ويضرب مثلا مرة أخرى فقال: " لو كان بمستطاع المثلث أن يتحدث لقال إن الله مثلث الأضلاع مثله ، ولقالت الدائرة إن الله دائري الشكل مثلي !... هكذا يريد سبينوزا أن يرجع كل الصفات الحقيقية إلى الله نفسه.

 

إن تحقق المزيد من الحرية لا يتم إلا عبر فصل مجالي الإيمان و العقل، بذلك يكون سبينوزا هو الداعية الأول في تاريخ الفكر السياسي إلى العلمانية " la laïcité":" مجال العقل هو الحقيقة و الحكمة و مجال اللاهوت هو التقوى والطاعة ". "إن من الواجب ألا نسعى إلى إخضاع الإنجيل للعقل أو إخضاع العقل للإنجيل"[xxix].

 

هذا الفصل يشمل أيضا مجالي السياسة و اللاهوت و يمكن القول أن سبينوزا ينطلق من واقع قائم أنداك بفعل تدخل رجال الكنيسة في الحكم، و ما أدى ذلك إلى فتن عقائدية و سلب للحريات و الحقوق... فاعتماد الدولة على نظام عقيدة معين يؤدي إلى التعصب و التحيز لهذه العقيدة على حساب العقائد الأخرى، مما يساعد على نمو الفتن والتناحر الذي يهدم أساس المصلحة و الدولة:"من الواضح أن الحرية العامة لا تقبل مطلقا أن تملأ عقول الناس بالتعصب و التحامل ....أو أن يستخدم أي أسلحة الفتنة المبنية على ذرائع دينية"[xxx] .

 

على الدولة في نظر سبينوزا أن تضمن للناس حرية المعتقد الديني بحيث يكفل لكل واحد الحق ممارسة شعائره بالطريقة التي تناسبه دون أن يشعر بالتضييق من طرف أي أحد آخر أو طائفة معينة.  على الدولة أن تفصل في تعاملها مع البشر بين أفكارهم وأقوالهم و بين أفعالهم. و لا يحق لها أن تحاسبهم إلا على أساس الأفعال و ليس على أساس الأفكار و الأقوال.

 

V - ختاما سيرة ذاتية للفيلسوف ماروخ سبينوزا:

الفيلسوف الهولندي باروك سبينوزا (1632 – 1677) هو من عائلة يهودية مهاجرة من اسبانيا في القرن السابع ميلادي.

في بداية دراسته انكب على دراسة الكتب التاريخية والدينية لبني قومه واظهر نباغة عالية في فهم مواضيعها، مما جعل كبار الكنيست اليهودي ان يعلقوا امالا كبيرة عليه، حيث توقعوا ان يصبح علامة كبيرة في تاريخ الشعب اليهودي المضطهد والمهاجر بين دول العالم في حينها.

 لكن بعد ان هضم الكتب الدينية اليهودية وتاريخها واطلع على افكار الفلاسفة اليهود الكبار من امثال ابن ميمون، وليفي بن جيرسن، وابن عزرا وكتب ابن جبريل الصوفية، تأثر اخيرا بفكرة الحلولية التي كانت عند موسى القرطبي، الذي ادعى وحدة الله والكون المادي. فرشقه مجمع الكنيست اليهودي بالحرم بعد ان فشلت كل المحاولات معه ان يعود عن ضلاله[xxxi] .

طرده والده من البيت، وصلت الجموع المؤمنة في الكنيست طالبين من الله انزال الللعنات عليه، كما مقته المسيحيون من البروتستانت والكاثوليك على الرغم من ان معظم فلسفته كانت حول الله،. اما ارثذوكس اعتبره هرطوقي. وحتى صديقه الفيلسوف الالماني لبينتز والذي كان مدينا له بالكثير، ابعد نفسه عنه ولم يذكره بكلمة.


لكن هذا الفيلسوف، اظهر قوة تحمل منقطعة النظير، حيث تحمل الانسلاخ من بين قومه ومقاطعتهم له تماما، فعاش وحدة قاتلة بلا رحمة حينما وجد نفسه مطرودا حتى من بيت ابيه وعائلته....  لقد لاقى ضربتين متتاليتين في وقت واحد: فصله عن بني قوميه ومجتمعه وخسارته لعقيدته الدينية. فشبه الكاتب والمؤرخ الكبير الامريكي ول ديورانت حالته "كمن تُجرى له عمليتين جراحيتين في ان واحد".

قضى ثلاثة وخمسين سنة من عمره في حياة بسيطة جداً، حياة متقشفة في طعامه وملبسه. يقال ان بعد رفضه التراجع عن أفكاره الفلسفية تمت محاولة القضاء عليه، لكنها فشلت فاضطر الى تغير اسمه من "باروك" الى "بندكت" والتنقل من امستردام الى هوكو، والعيش بقرب من عائلة مسيحية كانت تساعده وتعد له الطعام.

اثبت طوال عمره ان المال لا يؤثر عليه على الرغم من فقره وملابسه المهلهلة احيانا.

في احدى المرات زاره احد أعضاء مجلس الشورى حينما وجد ملابسه مهلهلة، لامََهُ كثيرا على ذلك وعرض عليه ثوبا جديداً، فاجابه سبينوزا: " ان الثوب الجميل لا يزيد من قدر الرجل...  ثم اضاف، ... من غير معقول ان نلف الاشياء الزاهدة بغلاف ثمين".

وقد زاره ورساله الكثير من المشاهير والشخصيات السياسية ، ففي احدى المرات عرض عليه التاجر الهولندي الغني انذاك ( سيمون دير فري) مبلغ الف جنيه كهدية منه، لكن سبينوزا رفضها وأقنعه بأن "يترك ثروته لأخيه الفقير عوضاً أن يعطيها لشخص غريب مثله".


كل من عرفه عن قرب احبه على الرغم من فكره الهرطوقي الملحد، اما الحكومة الهولندية كانت متساهلة مع ارائه اللاهوتية الحديثة.

كتبه هي :-
1- كتاب تحسين العقل 1665
2- الاخلاق مؤيدة بالدليل الهندسي 1665 لكن نشر عام 1977
3- مباديء الفلسف الديكارتية 1667
4- رسالة في الدين والدولة 1667
تم نشر الكتاب الثالث والرابع في عام 1970 بعد مماته بثلاث سنوات ووضعت في قائمة السوداء فورا. مما استدعى ان يتم نشرهما تحت أسماء مختلفة أو مستعارة.


يقول الكثيرون، لقد بالغ البعض في مدحه، لكنه في الحقيقة هو فيلسوف نادر يستحق التقدير بكل جدارة، حينما كان يعيش البعض اعتبروه ممارسا للسحر.

من خلال كتبه الأربعة تطرق سبينوزا إلى اللاهوت والله والميتافيزيقية ثم عرج الى السياسية وعلم النفس وأخيرا صب فكره في القيم الاخلاقية التي إعتبرها هو مهمة جدا للمجتمع الإنساني.

 تحياتي

عبد العالي الجابري

هوامش:



[i]  - الحرية المسيحية والتحرر، بندكت السادس عشر، مجمع العقيدة والإيمان، ترجمة ومنشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، جل الديب 1986، فقرة.1

[ii]  - توماس هوبز  Thomas Hobbes   (5 أبريل 1588  -  4 ديسمبر 1679 )  عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي ... يعد توماس هوبز أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة خصوصا في المجال القانوني حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيها قانونيا ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي.

 [iii]  - العام مئة، رسالة عامة للبابا يوحنا بولس الثاني، الترجمة العربية الرسمية عن مكتب اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، بيروت 1994، فقرة.10

[iv]  - معجم المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني، عبدو خليفة، المكتبة الشرقية، بيروت 1988، ص.8

[v]  - التعليم المسيحي للشبيبة الكاثوليكية - بالعربية، مجموعة من الأساقفة بموافقة البابا بندكت السادس عشر، مكتب الشبيبة البطريركي، بكركي 2012، ص.209

[vi]  - الحرية المسيحية والتحرر، مرجع سابق، فقرة.4

[vii]  - الحرية المسيحية والتحرر، مرجع سابق، فقرة.73

[viii]  - العام المئة، مرجع سابق، فقرة.25

[ix]  - الحرية المسيحية والتحرر، مرجع سابق، فقرة.8

[x]  - معجم المجمع الفاتيكاني الثاني، مرجع سابق، ص.76

[xi]  - الشؤون الحديثة، رسالة عامة للبابا ليون الثالث عشر، 1891، بالنسخة الصادرة بالعربية عن حركة عدالة ومحبة، بيروت 1995، ص.83 فقرة.4

[xii]  - Spinoza :Traité politique - traduit par M. Francis –Gallimard. Paris 1954- chapitre II paragraphe 3                     

[xiii]  - Traité théologique - politique –p 73.

[xiv]  - Spinoza : Ethique- traduit par R. Caillos – Gallimard- chap. 5 note 35.

[xv]  - رسالة في اللاهوت و السياسة ترجمة حسن حنفي ـ القاهرة ص 383.

[xvi]  - نفس المرجع ص 249.

[xvii]  - نفس المرجع و الصفحة.

[xviii] - جان جاك روسو (28 يونيو 1712 بجنيف - 2 يوليو 1778 إيرمينونفيل)  هو كاتب وفيلسوف، يعد من أهم كتاب عصر العقل، وهي فترة من التاريخ الأوروبي، امتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلاديين. ساعدت فلسفة روسو في تشكيل الأحداث السياسية، التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية. حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب والسياسة.

[xix]  - أقليدس بن نوقطرس بن برنيقس الإسكندري (إغريقية: Εὐκλείδης وتلفظ [e͜ʊkle:́dɛ:s]) ولد 300 قبل الميلاد، عالم رياضيات يوناني، بلقب ب‍‍أبي الهندسة.

[xx]  - فريدريك فيلهيلم نيتشه  بالألمانية Friedrich Nietzsche  15 أكتوبر 1844م   -  25 غشت  1900م) فيلسوف وشاعر ألماني. كان من أبرز الممهّدين لعلم النفس وكان عالم لغويات متميزاً. كتب نصوصاً وكتباً نقدية حول المبادئ الأخلاقية والنفعية والفلسفة المعاصرة المادية منها والمثالية الألمانية. وكتب عن الرومانسية الألمانية والحداثة أيضاً. عموماً بلغة ألمانية بارعة. يُعدّ من بين الفلاسفة الأكثر شيوعاً وتداولاً بين القراء.

[xxi]  - نيكولو دي برناردو دي ماكيافيلّي  (بالإيطالية    Niccolò di Bernardo dei Machiavelli )  ولد في فلورنسا 3 مايو 1469، وتوفي في فلورنسا في 21 يونيو 1527، كان مفكرا وفيلسوفا سياسيا إيطاليا إبان عصر النهضة  أصبح مكيافيلي الشخصية الرئيسية والمؤسس للتنظير السياسي الواقعي، والذي أصبحت فيما بعد عصب دراسات العلم السياسي. أشهر كتبه على الإطلاق، كتاب الأمير، هوالذي كان عملاً هدف مكيافيلي منه أن يكتب تعليمات لحكام، نُشرَ الكتاب بعد موته، وأيد فيه فكرة أن ماهو مفيد فهو ضروري، والتي كان عبارة عن صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية. ولقد فُصلت نظريات مكيافيلي في القرن العشرين.

[xxii]  - Spinoza :Traité politique. Chap. 5 p2                                                                                        

 

[xxiii]  - رسالة في اللاهوت و السياسة ترجمة حسن حنفي ـ ص 253.

[xxiv]  - نفس المرجع نفس الصفحة.

[xxv]  - رسالة في اللاهوت و السياسة ترجمة حسن حنفي ـ ص 261.

[xxvi]  - نفس المرجع ًص 263.

[xxvii] - http://www.ahewar.org/debat/print.art.asp?t=0&aid=229563&ac=1

[xxviii]  - الاخلاق مؤيدة بالدليل الهندسي 1665 لكن نشر عام 1977

[xxix]  - نفس المرجع ص 164.

[xxx]  - نفس المرجع ص 5 و 6

[xxxi]  - عرض الكنيست اليهودي مبلغ الف فلوراس (عملة نقدية في ذلك الزمان) مقابل تخليه عن توجيه فكره الفلسفي الناقد للديانة اليهودية في بداية حياته لكنه رفضها

 

انظم لتتابع اخبارنا

ملاحظات على هامش الأحداث

الرياض تعترف باتفاقية كامب ديفيد بعد 39 عاما

 

أعادت مصر في نهاية المطاف جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية، طبقا لوعدها في 11 نيسان-أبريل 2016 .

هذا يعني أن الرياض قد التزمت باتفاقية كامب ديفيد والتي بموجبها يتعين على مالك هاتين الجزيرتين أن لا يعيق حركة المرور في المضيق ويكفل حرية مرور السفن الإسرائيلية .

اعترض العديد من المصريين على قرار الرئيس السيسي بنقل السيادة. ولجعلهم يتقبلونه، ادعت الحكومة المصرية أنه لم يكن لديها يوما أي حق بامتلاك هذه الأراضي.

لكن الحقيقة تبقى عنيدة، وهاتين الجزيرتين هما ملك القاهرة منذ اتفاقية لندن لعام 1840. ولإجبار مصر على انفصالها عن تيران وصنافير، أقدمت المملكة العربية السعودية أولا على وقف شحنات البترول، ثم تجميد قرض بقيمة 12 مليار دولار.

في نهاية المطاف، وافق مجلس الشعب المصري على الاتفاق على مضض.

إن الاعتراف، بحكم الأمر الواقع، باتفاقية كامب ديفيد لعام 1978 ( أي بسلام منفصل بين مصر وإسرائيل) من شأنه أن يسمح بليونة القواعد بين البلدين.

كنا قد أعلنا عن توقيع اتفاق سري بين تل أبيب والرياض في حزيران- يونيو 2015 ، وعن دور الجيش الإسرائيلي في القوة المشتركة "العربية" في اليمن  وإقدام الأسرة السعودية الحاكمة على شراء قنابل ذرية تكتيكية من إسرائيل. 

سوف يكون لهذه الاتفاقية عواقب هامة على القضية الفلسطينية

 

قضية الصحراء المغربية

احصائيات هامة

Compteur d'affichages des articles
9198670

آخر اخبار فرنسا

المتابعون حاليا

Nous avons 239 invités et aucun membre en ligne

عداد زوار الموقع

10444328
اليوم
يوم أمس
هذا الأسبوع
مؤشر التطور
هذا الشهر
الشهر الماضي
منذ 11/11/2011
2296
8259
10555
588007
153767
92799
10444328

Your IP: 54.145.69.236
2017-06-26 07:06

مساعداتكم لموقعنا

Thank you for your donation.



دخول المنخرطين