Recherche

الملك محمد السادس يعاقب الحكومة بسبب مشاريع الحسيمة ويعبر عن انزعاجه واستيائه وقلقه

ترأس  الملك محمد السادس الأحد بالقصر الملكي بالدار البيضاء مجلسا وزاريا.

وفي ما يلي نص البلاغ الذي تلاه الناطق الرسمي باسم القصر الملكي عبد الحق المريني بهذا الخصوص:

"ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يومه 30 رمضان 1438 هـ، الموافق 25 يونيو 2017 م، بالقصر الملكي بالدار البيضاء، مجلسا وزاريا.

الجزء الثالث : الفوضى الخلاقة ... أو جدل الحداثة لدى ليو ستروس

 

 بعد تعرض الولايات المتحدة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام2001 بدا أن العالم قد دخل في طور جديد من العلاقات الدولية العنيفة لم يشهد لها مثيلا منذ مؤتمر ويستفاليا الذي نظم العلاقات الدولية الأوربية الحديثة. فظهرت سلسلة من الطروحات "النظرية" التبسيطية لرسم سياسات معينة في العالم و منطقة الشرق الأوسط باعتبارها مصدر الإرهاب العالمي في بداية القرن الحادي والعشرين. ثم وجدت تلك الأطروحات الأولية صدى إعلاميا واسعا حيث روج لها بشدة.

وبغض النظر عن مدى جدية تلك الأطروحات أو امتلاكها مقدارا من المصداقية العلمية والعملية على الساحة الدولية، إلا أنها تعكس بلا شك طريقة تفكير... ومع هذه الصورة الشائكة، وكي لا تداهمنا المصطلحات الخاصة بالسياسة الدولية على نحو مباغت، ربما علينا اختيار احد الاتجاهين  :

  •       إما الاستعداد لمواجهة أو التصدي لسلسلة من الطروحات التي تتبنى مفهوم الفوضى  chaos..
  •      وإما الاستعداد للدخول في دوائر الفوضى نفسها.

ومتابعة للتمرين الذي ألقيناه على عاتقنا والمتعلق بالبحث في موضوع "الهجرة طريق الفوضى الخلاقة نحو المرمى الأوربي" سنواصل في هذا الجزء الثالث البحث عن الانعاكاسات التي احدثتها الدراسات المتعلقة بنظرية الفوضى في الفيزياء على الفكر الفلسفي السياسي.

1-  أزمة الحداثة:

في تقديم  حديثه عن موجات الحداثة الثلاث يشير ليو ستروس الى ما يلي :"في أواخر الحرب العالمية الأولى خرج إلى الوجود كتاب يحمل العنوان المشؤوم التالي : "أفول، أو غروب الغرب Der Untergang des Abendlandes "، لكاتبه شبنغلر (Oswald Spengler) لا يفهم من كلمة الغرب ما تعودنا أن نطلق عليه الحضارة الغريبة، أي تلك الحضارة التي انبثقت من اليونان، بل يفهم منه الثقافة التي بزغت بأوربا الشمـالية حـوالي 1000م. وتشمل علاوة على ذلك، الثقافة الغربية الحديثة.... لقد تنبأ، إذن بأفول الحداثة أو بغروبـها، ويعتبر كتابه وثيقة دامغة على أزمة الحداثة. وحقيقة وجود هذه الأزمة أصبح اليوم جليا حتى لذوي الأفهام الضعيفة. ولكي نفهم أزمة الحداثة يجب أن نفهم بادئ ذي بدء خاصية الحداثة.

تتجلى أزمة الحداثة أو تكمن في واقع كون الإنسان الغربي الحديث لم يعد يفهم ما يريد ولم يعد يعتقد أن بإمكانه أن يعرف ما هو خير وما هو شر، ما هو صحيح وما هو خاطئ. وإلى بضعة أجيال خلت كان من المسلم به عادة القول أن بإمكان الإنسان أن يعرف ما هو صحيح وما هو خاطئ، ويعرف النظام الاجتماعي العادل أو الحسن أو الأحسن... وباختصـار يعرف أن الفلسفة السياسية ممكنة بل وضرورية. هذا الاعتقـاد فقد نفوذه في زماننا. ووفقا لرأي سائد فإن الفلسفة السياسية مستحيلة : لأنـها كانت حلما، قد يكون حلما رفيعا، لكنه يبقى حلما على أية حال. وفي الوقت الذي يوجد فيه اتفاق واسع حول هذه النقطة فقد اختلفت الآراء حول سبب قيام الفلسفة السياسية على خطأ أساسي. وفقا لرأي واسع الانتشار فكل المعارف التي تستحق اسم معارف هي معارف علمية. لكن المعارف العلمية لا تبرهن على أحكام القيمة بل تقتصر على الأحكام الواقعية. بيد أن الفلسفة السياسية تفترض مسبقا بأنه يمكن البرهنـة عقلانيا على أحكام القيمة.

 ووفقا لرأي آخر أقل انتشارا لكن أكثر دقة، فإن التفرقة السائدة بين الوقائع والقيم لا يمكن الدفاع عنها: لأن مقولات المعرفة النظرية تنطوي بداهة وبهذه الطريقة أو تلك، على مبادئ التقييم... لكن مبادئ التقييم تلك، إلى جانب مقولات الفهم، فهي كلها متغيرة تاريخيا ومن عصر لآخر. ولهذا السبب يستحيل الجواب بطريقة معترف بـها كونيا عن مسألة الصحيح والخاطئ أو مسألة النظام الاجتماعي الأحسن، وبطريقة صالحة لكل الفترات التاريخية، كما تستوجب الفلسفة السياسية".

إن أزمة الحداثة، إذن حسب ليو ستروس، هي في المقام الأول أزمة الفلسفة السياسية الحديثة... فكريا يبدو هذا الأمر غريبا : لماذا يلزم أن تكون أزمة حضارة ما، في المقام الأول، أزمة مبحث أكاديمي واحد فقط وليس مجموعة كبيرة ؟ بمعنى آخر لماذا الفلسفة وحدها هي المعنية بأزمة الحداثة، وليس العلوم والاقتصاد وباقي مكونات المجال المعرفي؟

ليو ستروس يجيب مرة أخرى قائلا: "الفلسفة السياسية ليست أساسا مبحثا أكاديميا: لأن معظم فلاسفة السياسة العظام لم يكونـوا أساتذة جامعيين. أضف إلى ذلك، وكما هو معترف به عموما، فالثقافة الحديثة هي بالتأكيد ثقافة عقلانية تؤمن بسلطة العقل. وإذا ما فقدت ثقافة كهذه، إيمانـها بقدرة العقل على إقرار صحة غاياتـها القصوى فهي في أزمة بكل تأكيد".

لندخل في الموضوع ونطرح سؤال مهما : ما سبب نقد ليو ستروس للحداثة؟

يرى بعض الباحثين "أن “القضية اليهودية" كانت "السبب المباشر والذاتي" في تنبيه ستروس  إلى حدود الديمقراطية الليبرالية. فقد كان، كغيره من الفلاسفة، يؤمن بسموّ القيم النبيلة التي بشرت بها الحداثة الليبرالية، من تسامح وعدالة واعتراف بالإنسان كذات، واعتراف بالآخر، والدعوة إلى الحرية والمساواة وهلم جرا... لكنه أصيب بخيبة أمل كبيرة بعد ما عاين بنفسه عجز جمهورية فايمر الألمانية عن تحقيق مبدأ حياد الدولة، وفشلها في منع النازيين من الصعود إلى الحكم. لقد أبانت هذه التجربة السياسية المفارقة الذاتية لمبادئ الليبرالية وقيمها التنويرية، إذ يمكن لأعدائها أن يستعملوها لنسفها من الداخل. وهذا ما يفرض ضرورة وضع شروط لتطبيق المبادئ الديمقراطية حتى لا تكون مطية لقبرها.

السبب الثاني وراء نشوب أزمة الحداثة السياسية في الغرب يتمثل في تبنيها لنمط خاص من العقل هو "العقل الحسابي التقنوي"، الذي أفرغ "العقل الأصلي" من محتواه، ولم يعد يقوم سوى بدور ضامن ميتافيزيقي للتصور التكنولوجي النفعي للوجود الفردي والجماعي. ولعل تبنّي الحداثة لهذا النمط من العقل الحسابي التقنوي هو الذي أدى إلى سيادة الرؤية التاريخانية التي أدت بدورها إلى تفشي النظرة السلبية، وأفضت بالتبعية إلى النظرة العدمية إلى كل شيء، تجاه الطبيعة والإنسان، قيم الخير والشر والعدالة والظلم...."

في حين ليو ستروس يجيبنا في نفس المقال كالتالي: تبعا لمفهوم شائع جدا فالحداثة إيمان ديني دنيوي. لقد أصبح الإيمان التوراتي بالعالم الآخر، جوهريا، إيمانا بـهذا العالم. وبطريقة أبسط: ليس المبتغى هو الحياة في الجنة، بل تحقيق الجنة فوق الأرض بوسائل إنسانية صرفة. وهذا بالضبط ما كان أفلاطون يدعي عمله في "جمهوريته" : إحداث قطيعة مع كل شر فوق الأرض بوسائل إنسانية صرفة...

بكل تأكيد لا يمكن أن يقال عن أفلاطون إنه علمن الإيمان التوراتي. وإذا ما أراد شخص أن يتحدث عن علمنة هذا الإيمان وجب عليه أن يكون إلى حد ما أكثر تحديدا. من المؤكد، مثلا، أن روح الرأسمالية من أصل ديني طهري" (!!!!).

إذن ليو ستروس ، يتبنى الرجوع للتراث الفلسفي "الكلاسيكي" في توافقه مع "التراث الديني الوسطوي" لفهم أزمة الحداثة وتقويمها وعلاجها، وذلك في علاقة جدلية تتراوح بين الاستمرار والتقابل بين الحداثة وما قبلها. وكان موقفه هذا بمثابة رد فعل على هيمنة إشكالية "النهايات" على الزمن الحديث: نهاية الإنسان، نهاية العقل، نهاية الأخلاق، نهاية الحق، نهاية الدين، نهاية التاريخ، الخ... "هذه النهايات التي صدرت عن نزعة عدمية عميقة تكشف عن مدى الأزمة الفكرية والروحية التي يعاني منها الغرب اليوم". معتبرا أن "أمام أزمة الحداثة السياسية هذه، لا مفر من الانخراط في سلك منتقديها"، لكن من زاويته وطريقته الخاصة.  حيث فاجأ الجميع بالقول "إن الحداثة نفسها هي علة أزمة الحداثة، وهذا ما نبهه إلى أن علاج أزمة الحداثة، لن يتأتى إلا بالتضاد معها، أي بالبحث عن الصور المقابلة لها في الماضي، لا بتجذير الحداثة نفسها للدفع بها إلى الإمام".

 

لكن ما الذي كان يقصده بالماضي؟ وما هو تعريفه للحداثة؟

الماضي الذي كان يعنيه هو ما عبّر عنه بالتوتر بين "القدس وأثينا"، أي ذلك التقاطب المتضاد بين الفلسفة والدين الذي يشكل روح الحضارة الغربية. يتعلق الأمر إذن بصراع متفاعل بين زمنين، زمن الوحي وزمن الفلسفة، بين الزمن الإلهي والزمن الطبيعي–العقلي.

أما الحداثة، فتتكون في تصوره من أبعاد ثلاثة:

-        هي الفلسفة السياسية الكلاسيكية،

-       والفلسفة السياسية الحديثة،

-       ثم الشريعة الدينية.

غير انه يفاجئنا بإرجاع سبب الأزمة السياسية الحديثة الى نسيان الحداثة لبُعدها الأول، الفلسفة السياسية الكلاسيكية، وليس إلى بُعدها الثالث كما ذهب المنتسبون إلى تفكيره، المحافظون الأميركيون الجدد. فإذا كان الأمر كذلك، أي إذا كان ستروس  لا يُرجع أزمة الحداثة في المقام الأول إلى نسيان الشريعة، وإنما إلى نسيان الفلسفة، فلماذا أبى إلا أن يجعل محور التوتر بين القدس وأثينا محركا أولا للحضارة الغربية، وأحد عناصر العلاج  الذي اقترحه لحل أزمتها؟

وللنبش أبعد، نطرح الاسئلة التالية :

-  ما دلالة ربط أزمة السياسة الحداثية بمجالين –الفلسفة والدين- إن لم يكونا أصلا مضادين للسياسة، فهما على الأقل يتميزان بعدم الاحتفاء بالسياسة؟

- وإذا سلمنا بقدرة العلاج بالضد، أكان علاجه لأزمة الحداثة السياسية قائما على تغليب جانب الدين على الفلسفة، أم على العكس إعطاء الأسبقية لأثينا على القدس؟

- وبعبارة رمزية، هل كان ستروس  يعتبر الممارستين، الدينية والفلسفية، تنتميان إلى عالم السياسة والتاريخ، أم إنهما بالأحرى يرأبان بنفسيهما عن الغرق في المماحكات السياسية التي تُفسد صفاء الورع الديني والتأمل الفلسفي معاً؟

اسئلة تبدو في اعتقادنا مشروعة ، لكن قبل المواصلة قد يفيدنا لتأطير ماهية تفكير ليو ستروس أن نقترب من شخصيته وحياته الخاصة.

2-  من هو ليو ستروس  Leo Strauss يا ترى؟

ولد عام 1899 في منطقة فرانكفورت بألمانيا من عائلة يهودية ومات في الولايات المتحدة عام 1973، عن عمر يناهز الرابعة والسبعين. وقد خلف وراءه العديد من الكتب والمقالات الأكاديمية المعمقة.  

في سن السادس عشر كان مولعاً بقراءة نيتشه ( F. Nietzche )     و شوبنهاور         (A. Schopenhauer) ... كان حلم طفولته أن يدرس أفلاطون وأن يصبح في كبره رابينا (أي حاخاما- رجل دين عند اليهود) وفعلا بمجرد بلوغه سن 17 اعتنق الصهيونية  .... عام 1917 بدأ دراسته الجامعية . في ذلك الوقت كانت الجامعات الألمانية تتمتع بحرية علمية منقطعة النظير ، مكنت ستروس  من تنويع معارفه العلمية وخاصة في الرياضات والفيزياء كما أن إيمانه بالصهيونية وحماسه المنقطع النظير لها سمح له بلقاءات متنوعة وغنية بالمعرفة الفلسفية الضرورية للدفاع عن وجهة نظره .

يقول ستروس   عن نفسة : " أني مابين 22- 30 من عمري كنت أعيش تحت تأثيرات  نيتشه الساحرة ، وأظن أني فهمت كل كلمة قالها... كنت أعتقد آنذاك بكل ما يقوله... بل كنت أعتقد أنه صحيح كليا ولا مجال لمناقشته... كما يبدو لي أن ،  الحركة الصهونية ، وكذلك الحركة القومية الألمانية ، وبعدها النازية ، كانت مفتونة جداً بعنصرية وسوفسطائية نيتشه . بيد  أن رومنسية فيخه (Fichte) لم تكن كافية للعنصرين من الصهاينة والنازين .

في 17 دسمبر 1921 تقدم للفحص الشفوي للحصول على لقب دكتور في الفلسفة ، وحصل على مبتغاه عام 1922 . درس ستروس  على يد يوليوس  إبنجهاوس ( Julius Ebbinghaus ) النظم الإجتماعية لعصري النهضة والتنوير، حيث سمع لأول مرة بالفليسوف الإنكليزي توماس هوبز ( Thomas Hobbes  ) الذي قال عنه أنه كان يفور بالحيوية ولكن فيه لطافة  التبسيط .

لعها الصهيونية المبكرة  عند ستروس  هي الدافع الأقوى الذي دفعه الى متابعة أشهر الفلاسفة المعاصرين ، فنجده عند مارتين هايدجر( Martin Heidegger ) الفليسوف المنظر للنازية والذي كان يصيغ فكره  بلغة تمتاز بالتعقيد الشديد . ستروس  كان شديد الإعجاب به لدرجة دفعته للقول :  "أن ماكس فيبر ( Max Weber )، يعتبر طفل يتيم بالمقارنة بهايدجر ،  ويضيف ، لقد بدأت أفهم الغيبيات ( المتافيزيك ) عند أرسطو عندما سمعت حديث هايدجر عن ميتافيزيقا. لقد كان للرجل دراسات واسعة للتاريخ شأنه شأن من عاصره من مثقفي ألمانيا حيث كان المثقف وفق الأعراف الجرمانية : هو من كان يمسك بناصية اللغة والتاريخ والفلسفة" .

وخلال العشرينات كان ستروس  كثير اللقاء بقائد الحركة الصهونية  فلاديمر يابوتينسكي( Vladimir Jabotinsky   )  أبرز قادة التصحيح المتطرفين ، كما واظب على حلقات المدارسة التي كان يعقدها الفيلسوف فرنس روزنتسفايج ( Franz Rosenzweig  ) في بيت المعهد اليهودي الحر،

نشير أن روزنتسفايج بدأ حياته الفلسفية كيهودي صهيوني متزمت ، ولكن بعد مشاركته في الحرب الأولى كمتطوع في قسم الإسعاف ، عاد إلى وطنه ألمانيا  ينشد الحوار مع الآخر ، مع  المسيحي ،  ويبدو أنه ذهب بعيدا في طلب التواؤم والمهادنة . لعل مآسي الحرب التي عاشها في البلقان حيث أدى واجبه الميداني كرجل اسعاف رفعت عن بصره وبصيرته غطاء الاديولوجية الصهيونية . طبعا ليو ستروس  كان أقل قدراً وشأناً  من فرانس روزنتسفاج ، ولعله تعلم فقط كيف يوظف الحقد الصليبي ضد المسلمين عند بعض النصارى.

يبدو أن ستروس  كان حريصاً على كسب المعلومة الفلسفية أو السياسية من مصدرها الأول و بشكل انتقائي موجهه ببوصلة الاديولوجية الصهيونية لهذا شد الرحال إلى كل من توسّم فيهم بضاعة العلم والمعرفة. من هنا نعتقد أن هناك نقاط في سيرة الرجل يجب الإشارة إليها علّها تلقي مزيد من الضوء على العلاقة المريبة بين الصهيونية السياسية والنازية السياسية... لقد كان هناك تعاطف فلسفي  واضح بين ممثلي الفكر النازي والفكر الصهيوني ، ستروس  من جهة وكارل  شميت ( Carl schmitt ) وهايديجر من جهة أخرى .

ستروس  كان معروفاً في الأوساط العلمية والثقافية وحتى الأوساط السياسية ، دولة وأحزابا ، بأنه cadre  "كادر" غير عادي في الحركة الصهيونية , وكارل شمت رجل الفلسفة والقانون الذي وضع اللمسات الأخيرة على قوانين التفويض التى جعلت من هتلر الدكتاتور والسلطة المطلقة، ومع هذا كان شمت يتوسط بما لديه من نفوذ ليحصل طالبه "النجيب" ستروس على منحة دراسية من مؤسسة روكفلر ( Rockefeller ) . انتقل الى باريس عام 1932 ثم إلى انكلترا  لدراسة الفلسفة الاسلامية واليهودية في العصور الوسطى... قبل رحلته إلى الولايات المتحد الأمريكية التي مرت عبر المملكة المتحدة اين أصدر ثلاث كتب باللغة الألمانية .

  •      عام 1930 إصدر "  كتاب سبنوثا  ونقد العقيدة أو الدين " ( Spinoza,s Critique of Religion )
  •      وفي عام 1935 اصدر كتاب الفلسفة والتشرع ( Philosophie und Gesetz  ) ،
  •      وفي عام 1936 أصدر كتاب فلسفة السياسة عن هوبز ( The Political Philosophy of Hobbes  ) .

علق كارل شمت على بحث قدمه ستروس  قائلاً " الوحيد الذي أدرك العلاقة الحميمية بين هوبز المادي و سبينوزا هو ذلك الشاب اليهودي ستروس".

شخصيا كتبت مقالا مطولا بعنوان:" الدين والسياسية ... في فلسفة باروخ سبينوزا" ولم أجد أي علاقة عقلانية حميمية بين هوبز وسبينوزا . و صراحة لا أفهم كيف تمكن كارل سمت من الوصول الى هذه الخلاصة؟.

في عام 1938 وصل ستروس  إلى العالم الجديد ، الصفقة بين اللبرالية الأمريكية والصهيونية العالمية أصبحت واقعا محسوسا. لقد هاجرت العقول اليهودية والصهيونية من العالم القديم، من ألمانيا، بولندا، والمجر، والتشيك...... الخ، واستقرت في المعاهد والجامعات ومراكز البحوث العلمية الحساسة، وخاصة المتعلقة ببحوث وصناعة القنبلة الذرية، " لقد جاءت الصهيونية إلى أمريكا وهي تحمل معها القنبلة الذرية " كما قال أحد علماء الذرة.

تفرغ ستروس  إلى صناعة الإديولوجية المصاحبة للقنبلة الذرية، وذلك  قبل حصوله على الجنسية الامريكية. وكما يقول المثل من شب على شيء شاب عليه، لقد بنا ستروس  كيانه  الفلسفي والعلمي، ليس بجهده ونبوغه، حيث كان أقل من المتوسط مقارنة بزملائه من غير الصهاينة، ولكن بواسطة الشبكة العنكبوتية الحميمة التي حرص على نسج خيوطها منذ أن كان في ألمانيا استطاع اقتحام أعلى المجالس.

عام 1944 حصل ستروس  على لقب الأستاذية (بروفسور) في العلوم السياسة والفلسفة . في ربيع نفس العام أصبح كرسي العلوم السياسية في جامعة شيكاغو ، أحد قلاع المحافطين الفكرية ، شاغرا. مما دعى "معارف وأصدقاء ستروس"  إلى طرح أسمه كمرشح لهذا المنصب العلمي السياسي المؤثر في صناعة القرار.

بقي المنصب شاغرا حتى صيف نفس العام، حيث أصبح هانس مورجنتاو ( Hans Morganthau ) رئيساً للقسم. ولمن لا يعرف هانس مورجنتاو هذا، فهو أحد المستشارين وأحد ما كان يعرف ب(مارشال ، مورجنتاو) = ( G. Marshall , H. Morganthau ) مستشاري الرئيس الأمريكي ترومان (Truman) خلال وبعد الحرب العالمية الثانية.

مورجنتاو كان على النقيض من مارشال في قضيتين:

الأولى : قضية ألمانيا المهزومة:  مورجنتاو الصهيوني  كان يقترح على ترومان أن تحول ألمانيا ذات التاريخ الصناعي العريق إلى حقول لزراعة البطاطا حتى لا تقوم لها  قائمة بعد الآن  . ولم يأخذ ترومان برأيه بل أخذ بمشورة مارشال الكاثوليكي، القائل بأن يعاد بناء ألمانيا الصناعية (عبر ما سمي بمشروع مارشال) لتكون سد في وجه الاتحاد السوفيتي.

الثانية: قضية فلسطين : مارشال حذر بشدة من خطر قيام دولة إسرائيل ونصح بإقناع اليهود بالعدول عن فكرة الدولة القومية لليهود ، أما مورجنتاو فقد كان متحمساً لقيام دولة إسرائيل بعنصرية عجيبة . وأخذ الرئيس ترومان برأي مورجنتاو لأنه كان يحمل نفس التوجه الفكري حيال هذه المسألة .

ذات يوم موجنتاو مستشار الرئيس ترومان ، يصطحب البرفسور ليو ستروس  إلى مكتب رئيس الجامعة روبرت هوتشين ( Hutchin (  R. ، ثم يتركهما على انفراد لمدة نصف ساعة ...  السيد ر. هوتشين يفهم الرسالة فيصدر قرارا بتعيين  ستروس  عضو في قسم العلوم السياسية وأستاذ كرسي كامل الصلاحية، براتب أعلى من أي راتب تقاضاه أستاذ آخر من قبله...

رغم انه توقف عن التدريس سنة 1968، لكن لاهمية المنصب بداية السبعينات بقي ستروس  عضو في قسم العلوم السياسية حتى عام 1973.

يقال أنه أنهى كتابة " الاضطهاد وفن الكتابة " (Persecution and the Art of Writing ) ما بين 1941 – 1948 في حين الكتاب نشر لأول مرة عام  1952 ، على أن الثابت أنه  قام بنشر كتابه ( On Tyranny )  " الاستبداد " عام 1948.

عام 1953 أصدر كتاب " الحق الطبيعي والتاريخ " ( Natural Right and History )

كما عمل  أستاذاً زائراً في جامعة كاليفورنيا وفي نهاية عام 1954 وحتى منتصف عام 1955 ارتضى أن يعمل أستاذاً زائراً في الجامعة العبرية في القدس كمحاضر في العلوم السياسية والفلسفة.

في عام 1958 أصدر كتاب " تأملات حول مكيافلي " ( Thoughts on Machiavelli  ) ،

وفي عام 1964 نشر كتابه " الرجل والمدينة " ( The City and Man ) الذي كان بمثابة الضوء الأحمر للمتتبعين لتطور الفكر الفلسفي ، حيث بدأت تبرز شكوك معتبرة حول القيمة العلمية للمناحي الفلسفية للرجل. ولم تكن الشكوك لتأتي فجأة فقد سبق نشر كتاب "الرجل والمدينة" أن أفصح الرجل عن فكر سياسي يميني متطرف ذا صلة وثيقة بالصهونية والتراث اليهودي الذي يرفض قيم الرحمة والعدل من منطق عنصري مخيف.

وكانت تصدر محاضراته وبحوثه الجامعية في شكل كراسات صغيرة وتحت مسميات مختلفة حسب الجهة التي تصدرها والغاية السياسية التي تسعى إليها ، ثم تجمع على شكل كتاب ، ففي عام 1959 صدر كتاب تحت عنوان "ما هي فلسفة السياسة ؟" (What is Political Philosophy ?) وفي خضم التصعيد المقصود ضد مفكرين وفلاسفة الاجتماع الذين كان يتوجسهم خشية أن تقود ميولاتهم الإنسانية والاجتماعية إلى الاشتراكية. كما سفه منطلقات الرأسمالية الاجتماعية وسياسة السوق المنبثقة عنها واصفاً إياها بالليبرالية والحداثة العجوزتين.

في كتابه " تاريخ فلسفة السياسة " (History of Political Philosophy) تبرز أفكاره الرأسمالية المتوحش بصورة واضحة المعالم، وقد أعيد نشر الكتاب في عام 1968 وسنة 1987.

وفي عام 1966 نشر كتابه له بعنوان "سقراط و آريستوفانس" (Socrates and Aristophanes) وهي  قراءة تخلط الحابل بالنابل، فقد كان أعجز من أن يفهم سقراط الذي كان ينهل من مشكاة النبوة... كان أسلوبه الذي عرض فيه مقالة سقراط ليحاكي به آريستوفانس، على شكل الكوميدي الشاعر والسياسي الناقد، سبة وشتم علني للرجلين بآن واحد... ولكن ما عسانا أن نفعل والرجل أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو وفليسوف الصهيونية قاطبة!!!!.

وفي عام 1968 نشر كتابه  اللبرالية العجوز والحداثة  (Liberalism Ancient and Modern) ، وهو عبارة عن مجموعة مقالات ودراسات متفرقة في الغالب يهاجم فيها  الأفكار والفلسفات التي تهدف إلى بناء نظام سياسي اجتماعي متوازن أو ما يعرف "بدولة الرعاية الاجتماعية".

يسجل عليه كذلك انه كان عدوا  لذوذا لعلم الاجتماع، فهاجم بشراسة مقالة ماكس فيبر ( Max Weber ) ورؤيته للإنسان والمجتمع. ففي بحث نشره بالألمانية بعنوان " الوقائع والقيم " (Tatsachen und Werte ) ، لعله أراد استفزاز المفكرين الألمان،  يكتب ستروس  : "إن السبب الحقيقي وراء إصرار ماكس فيبر على حيادية علم الاجتماع وفلسفة الاجتماع هو اعتقاده بوجود تناقض أساس بين الكينونة والصيرورة وعدم امكانية وجود معارف تسبر كنه حقيقة الكينونة والصيرورة . لقد استبعد ماكس فيبر امكانية امتلاك الانسان معرفة علمية ،  تجربية أو عقلية  أومنظومة فلسفية تمكنه من الوصول إلى نظام قيمي يأخذ بناصية اليقين فيستحوذ على الحقيقة أو تستحوذ الحقيقة عليه ،  ولكن لم يستبعد فيبر أن توجد نظم قيمية متعددة تهيمن على الواقع الاجتماعي الإنساني ، وأن تعارضها أو حتى تصادمها لا يمكن حله انطلاقاً من العقلانية الانسانية".

وحتى نتمكن من الخروج من هذا اللغط، وبتركيز شديد، يمكن الكشف عن مقاربة ستروس للحداثة في مستويات ثلاثة:

– مسار التشكل الفلسفي للحداثة (الموجات الثلاث للحداثة).

– النقد الإيديولوجي لليبرالية (المأزق النسبوي).

– الرجوع للفلسفة القديمة ولتقليد الحق الطبيعي.

الأولى : مسار التشكل الفلسفي للحداثة:

يرصد ستروس مسار التشكل الفلسفي للحداثة بالوقوف عند محطات ثلاث رئيسية، عبر عنها بـ(الموجات الثلاث) هي: موجة الحداثة العلمية والسياسية التي عبرت عنها فلسفات ماكيافيل وهوبز ولوك، وموجة الأنوار التي عبرت عنها فلسفات روسو وفيشته وهيغل، ووموجة العدمية الوجودية التي عبرت عنها فلسفات نيتشه وهايدغر والفلاسفة الوجوديين(7).

الثانية : النقد الإيديولوجي لليبرالية (مأزق النسبية):

لعل هذا الجانب من فكر ستروس هو الذي كرس شهرته الأخيرة إثر استناد (تيار المحافظين الجدد) الذي كان قريبا من مركز القرار في الولايات المتحدة لبعض أطروحات ستروس(13).

وجب التنبيه أن نقد نسبية الأخلاق يشكل الخيط الناظم لفكر ستروس  في تشخيصه النقدي للمذاهب الإيديولوجية الثلاثة للحداثة التي هي الوضعية والتاريخانية والعدمية.

الثالثة: الرجوع للفلسفة القديمة ولتقليد الحق الطبيعي

للخروج من مأزق النسبية العدمية، يدعو ستروس إلى الرجوع للحالة الفلسفية ما قبل الحديثة، ولتقليد الحق الطبيعي بمقوماته وجذوره اللاهوتية.

فالعودة للفلسفة الكلاسيكية لا معنى لها إلاَّ من منظور العلاقة النقدية بالعصور الحديثة. أي بعبارة أخرى: إن ما يريده ستروس هو تجاوز الراهن إلى الماضي، ليس من اجل الرجوع لنموذج سابق، وإنما للوصول إلى الحقائق الجوهرية الثابتة في الفلسفة السياسية التي لا تخضع للتحول التاريخي، على عكس ما تتوهم المقاربات التاريخانية والوضعية.

فالعودة للفلسفة السياسية القديمة هو بكل بساطة عودة للفلسفة السياسية ذاتها التي استبدلت في العصور الحديث بالفكر السياسي والعلوم الاجتماعية. فإذا كان الفكر السياسي هو مجرد عرض للآراء والمذاهب دون تمييز بين الرأي والمعرفة، فإن الفلسفة السياسية تهتم أساسا بالبحث عن الحقيقة.

اذن أعمال ستروس تتناول الفكر السياسي الغربي بالنقد والتحليل، وتهتم بشكل خاص بقضية الخلاف بين فكر القدماء وفكر المحدَثين، وقضية الخلاف بين الفلسفة والدين. وقد قاده ذلك إلى دراسة وتحليل نصوص القدماء والبحث عن كيفية استيعاب المفكرين والكتاب اليهود خلال العصور الوسطى للفلسفة اليونانية. وتبنَّى ستراوس نهجاً في دراسته يهدف إلى تفسير النَّص وفقاً لمفهوم المؤلف نفسـه للنَّص، وهـو في ذلك يؤكد أهمـية وقيمـة النَّص في ذاته، ولكنه يرفض المنهج التاريخي الذي يسعى إلى تفسير وتأويل النصوص على ضوء اعتبارات نفسية واجتماعية خارجية، كما يرفض اسـتخدام المعايير والمفاهيم الحديثة في تفسير النصوص القديمة. ولذلك، عمل ستراوس على محاولة تفسير النصوص واستخلاص معانيها الكامنة من خلال تحليل بنيانها وفهم أسلوب المؤلف في الكتابة.

وقام بالتمييز بين المعنى البسيط أو الخارجي للنص والمعنى الخفي المركب الكامن بداخله، وهو تمييز ظل متَّبعاً منذ القدم وحتى القرن التاسع عشر حيث كان كثير من الكتاب والفلاسفة يخفون آراءهم الحقيقية والمخالفة للمعتقدات الدينية والسياسية السائدة وراء ستار من اللغة والأساليب الأدبية التي لا تبدو مخالفة في ظاهرها. ولذلك، يجب أن يسعى تحليل وتفسير نصوص القدماء إلى استخلاص المفاهيم والمعاني الكامنة وراء السطور.

وفي كتابه "الاضطهاد وفن الكتابة" (1952) يبيِّن ستراوس، من خلال دراسته لأعمال موسى بن ميمون ويهودا اللاوي وسبينوزا، ماهية «فن الكتابة بين السطور» عن طريق معرفة كيفية « القرّاءة بين السطور».

ويتناول الموضوع نفسه في كتابه "كيفية دراسة كتاب دلالة الحائرين (لموسى بن ميمون- على اعتباره احد المفكرين اليهود الذي استطاع اختراق الفكر الاسلامي)" الذي يعطي الباحثين والدارسين في هذا المجال أدوات اكتشاف ما هو كامن ومستتر في كتاب الدلالة. كما كانت دراسته حول فكر سبينوزا "نقد إسبينوزا للدين" الصادرة عام 1930 بداية في هذا الاتجاه.

ومن خلال تحليله ودراسته نصوص وفكر القدماء، عمل ستراوس على إبراز قيمة الفكر السياسي الكلاسيكي بالمقارنة بالفكر الحديث. وتبيِّن أعماله، مثل "ما الفلسفة السياسية؟" (1959) و "الحق الطبيعي والتاريخ" (1965) و "الليبرالية القديمة والحديثة" (1968)، مدى انتمائه للتيار المحافظ في الولايات المتحدة، وهي تتضمن نقداً لليبرالية الحديثة التي يرى ستروس أنها حافلة بالمشاكل الجوهرية التي لا سبيل إلى معالجتها.

فهو يرى أن الديموقرّاطية القائلة بالمساواة بين البشر وبنسبية القيم لا ينتج عنها سوى ثقافة جماهيرية منحلة واتجاه نحو التكيف والامتثال ويفرز ذلك قيادات مفلسة أخلاقياً. ويدعو ستروس إلى نظام نيابي تقوده صفوة متميِّزة ويستلزم ذلك وجود طبقة أرستقرّاطية تمتلك الثقافة الرفيعة.

وقد انتقد ستروس أيضاً الوضعية والتاريخية اللتين ترفضان مفهوم الحقيقة الأخلاقية الثابتة، وتفتتان الحياة السياسية الملموسة إلى تجريدات خاوية وثنائيات زائفة.

كما رأى أن الفكر السياسي الحديث تخلى عن هدف البحث عن القيم الأخلاقية الدائمة، وهو هدف الفلسفة الكلاسيكية في سبيل أهداف سياسية سهلة المنال، تسعى إلى التحكم في الإنسان والسيطرة عليه بعيداً عن أية معايير أخلاقية.

وتعود أهمية ستروس إلى تأكيده أهمية تحليل الخطاب وفك شفرته للوصول إلى المعنى الحقيقي الكامن، وهو بذلك يُعَدُّ أحد المفكرين الغربيين (من أصل يهودي) الذين انشغلوا بآليات تحليل الخطاب ومحاولة الوصول إلى المعنى الكامن بين السطور، مثل جاكوبسون ودريدا، ولعل هذا يعود إلى تراث التفسير اليهودي والتراث الماراني. ولكن لابد من الإشارة إلى أن الاهتمام بتحليل النصوص وبفلسفة اللغة بشكل عام هو اهتمام مركزي في الحضارة الغربية الحديثة، بخاصة في القرن العشرين، كما أصبح مبحث اللغة من المباحث الأساسية في الفلسفة، ولعل هذا يعود إلى تصاعد مشكلة المعنى وانتشار النسبية.

اذن ستروس مفكر سياسي محافظ بكل ما للكلمة من معنى، وهو أمر نادر بين المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية، إذ يُلاحَظ أن معظم المفكرين السياسيين الغربيين من أصل يهودي ينتمون إلى التقاليد الثورية أو الليبرالية. ومع هذا، يُلاحَظ أن هناك تحولاً واضحاً منذ السبعينيات في هذا النمط، إذ بدأ مفكرون كثيرون من أصل يهودي في تبنِّي الفلسفة المحافظة واتخاذ مواقف رجعية.

بناء على ما سبق يحق لنا نتساءل:

  •      عن معنى "الفكر المحافظ الجديد"؟
  •      وما هي اقتراحاته لتغيير العالم، وفقا لفلسفة ستروس  السياسية؟
  •      وماذا تعني كلمة جديد في تعبير الفكر المحافظ الجديد؟

من المعلوم أن الفكر المحافظ هو ذلك الفكر الذي يعتمد على التقاليد والتاريخ لذلك فهو يتسم بالبطء والحذر والاعتدال. ولكن في ظل نفوذ ليو ستروس  فإن المحافظون الجدد ليسوا حريصين ولا متباطئين ولكنهم نشيطون وعدوانيون ورجعيون بالمعنى الحرفي  للمصطلح.

لقد كان آلان بلوم Allan Bloom مؤلف كتاب «إغلاق العقل الأمريكي» وهو أحد أشهر تلاميذ ستروس  وأستاذا في جامعة تورنتو الكندية، وكان في أكثر كتبه مبيعا يهاجم فترة الستينيات التي شهدت حركة الدفاع عن الحقوق المدنية للزنوج في أمريكا حركات الاحتجاج الشبابية في أوربا.

 أما المفكر الأمريكي الياباني الأصل فرانسيس فوكوياما الذي تتلمذ على يد "ألان بلوم"  والذي يعد في طليعة المحافظين الجدد في أمريكا فيشير إلى فترة الستينيات بأنها فترة «الركود العظيم» وهو عنوان أحدث كتبه...

يفترض كل هؤلاء المفكرين الذين تشبعوا بفلسفة ستروس  أن الحريات الأساسية الجديدة التي تحققت خلال الستينيات هي أصل كل الشرور، لأن الحرية أدت إلى الفجور، والفجور هو النذير بالفساد الاجتماعي مثل الطلاق والجريمة والاسترخاء، كما أن هناك حكمة يؤمنون بها وهي "إن الحرية كنز نفقده إذا لم نستخدمه بحكمة".

المشكلة أن هؤلاء المحافظين الجدد لا يتسامحون إطلاقا مع أي نقيصة إنسانية أو حماقة ولذلك فهم غير مستعدين لمنح الحرية أي فرصة.

إذاً ما الذي يجب عمله؟ وكيف يمكن حماية الحداثة من فتنتها الخطيرة بالحرية؟

3- الحرية في زمن الحداثة... ما علاقة الحرية بالفوضى الخلاقة؟

جاء إيرفنغ كريستول Irving Kristol بالحل الذي أصبح حجر الزاوية في سياسات المحافظين الجدد، وهو استغلال الديموقراطية لهزيمة الحرية، اجعل الشعب يعادي حريته، أقنعه بأن هذه الحرية ما هي الا فجور، وأن الحرية تدمر الانضباط الاجتماعي، وهو ما يؤدي إلى الجريمة وانتشار المخدرات والشذوذ الجنسي وانتشار الأطفال غير الشرعيين وانهيار الأسرة، والأخطر من كل هذا أن الحرية تعتبر كيانا هشا أمام الشيوعية أو الإرهاب، وهما الذين شكلا العدو الأول للأمريكيين في فترتين متعاقبتين.

وإذا ما استطعت إقناع الشعب بأن الحرية تشكل خطرا على أمنه فلن تحتاج في هذه الحالة إلى سلبها منه، بل سيبادر الى التخلي عنها من تلقاء نفسه. وفي مقال تحت عنوان «شعبية عدم الخوف» قال إيرفنغ كريستول إنه يجب على الأمريكيين أن يعتنقوا «فكر حزب الشعب» الأمريكي، أو حكم الأغلبية، بل حذر في مقاله من ديكتاتورية الأغلبية والمؤسسات التي تحمي حرية الأفراد والأقليات، سعيا منه بمؤازرة المحافظون الجدد الى التخلص منها.

من الواضح أنه يقول ذلك لأن المحافظين الجدد يعتقدون أن أمريكا محكومة من قبل نخبة ليبرالية غير حكيمة منذ أكثر من مائتي عام ويريدون المقامرة على أن الناس سيكونون أكثر حكمة وسيتبنون السياسات المحافظة الجديدة وذلك ما يسمى في العلوم السياسية ب:" استراتيجية الشبح".

لكن مع وجود المحافظين الجدد في مركزالحكم بالولايات المتحدة الأمريكية فلم تعد «استراتيجية الشبح» فعالة، لأن سياسات هؤلاء أصبحت واضحة تماما  لأن: هدف المحافظين الجدد هدف رجعي بكل معنى الكلمة وهو لا يقبل بأقل من إعادة الساعة إلى الوراء والتخلص من الليبرالية الأمريكية وهم سوف يستخدمون الديموقراطية لتحقيق هذه المهمة وتؤكد أن ستروس  بعد كل ذلك ليس لديه اعتراض على الديموقراطية ما دامت النخبة التي تؤمن بحكمة الفلاسفة القدماء قادرة على تشكيل وخلق إرادة الناس.

يتضح ذلك جليا في تفسيره لأسطورة الكهف للفيلسوف افلاطون حيث يقول "إن الفلاسفة الذين يعودون إلى الكهف لا يجب أن يأتوا بالحقيقة فبدلا من ذلك يجب أن يبحثوا عن صور متعددة للكهف حتى يظل الناس مذهولين من عبقرية وتفوق النخبة التي تحكمهم".

المفارقة الكبرى أن نجد هؤلاء المحافظين الجدد يغزون العالم بزعم نشر الحرية والديموقراطية، في الوقت الذي لا يكنون لأي منهما أي احترام.[1]

وقد كان مقتنعا بأن ديموقراطية "جمهورية فيمار" في ألمانيا كانت السبب في صعود النازيين للحكم... خلاصة تبسيطية من فيلسوف كبير إنه لأمر مثير للجدل، إذ كيف لستروس الادلاء بهكذا تعميم دون ان يجادل حول هذا الموضوع علانية، بل حتى انه لم يحاول تقديم الحجج التي تؤيد موقفه...

هل نساير اعتقادنا القائل بأن أفكار ستروس  وصلت الى عكس ما كانت تصبو إليه بحيث يمكن القول أن أفكاره وليست أفكار الليبرالية هي التي اخترعت هذه الأنواع من الإساءة في استخدام السلطة التي كان هو نفسه يحاول تجنبها...  

هنا نتذكر –للتاريخ- أن الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر كان يحتقر الديموقراطية البرلمانية أقصى درجات الاحتقار. فقد كان صدر هتلر يضيق بالمناقشات والمنازعات على أساس أنها مجرد مضيعة للوقت بالنسبة للأذكياء الذين يعرفون الاختيارات الصحيحة والسياسات المناسبة التي يحتاج إليها الشعب. كما كان هتلر يعلن احتقاره للجماهير وهو نفس الاحتقار الذي يتبدى بوضوح في كتابات ستروس  وأتباعه. !!!!!!

4-  السياسة و الفوضى أوالفوضى السياسية : ما هي إضافة فكر ليو ستروس المتمثل في المحافظون الجدد؟

تذكرنا دراسة المؤرخ غوبونGibbon  حول سقوط الإمبراطورية الرومانية المقدسة، بالفوضى التي تعقب انهيار الكيانات الكبرى، وما رافق ذلك من بحث في الأسباب والنتائج المحيرة في النطاق الأوربي خاصة، لمعرفة أهم عوامل الانهيارات الشاملة ودورها في تطور الفكر الإنساني.

كما ينبّهنا "المشروع الفكري" الذي قدمه المفكر الألماني أزولد شبنغلر Oswald Spengler حول "سقوط الحضارة الغربية" بفكرة الانهيار من وجهة نظر مغايرة تحتاج إلى مراجعة دائمة للوقوف على طبيعة التفكير الغربي تجاه الفوضى عموما.

وبتلك الأعمال المهمة التي ناقشت جدياً طبيعة الفوضى الموضوعية للدول وأنظمة الحكم، وأثرها على الفوضى الفكرية والروحية للإنسان. كانت معظم الدراسات الأوربية المهمة تبحث في التغييرات المفاجئة للأفراد والجماعات في مراحل مختلفة وفي خضم تلك التغييرات العاصفة على حدّ سواء، ثم تحولت لتشمل عموم البشرية على الأرض في وقت لاحق، أيضا، مما اكسبها صفة الشمولية في الوقت نفسه، ومحاولة البحث عن الخلاص الإنساني دون أن تقدم بديلا معقولا لعموم تلك الطروحات الجادة.

وكان الفيلسوف الألماني هيغل Friedrich Hegel  قد أشار غير مرة إلى طبيعة الفوضى التي تضرب العالم من خلال حركة الديالكتيك اللولبية والانكسارية التي دأب من خلالها على تفسير طبيعة الحركة للعالم والأشياء، مما احدث هزّة عنيفة لم تنطفئ نورها بعد؛ لكن تلامذته ممن عرفوا  بالهيغليين اليساريين هم الذين طوروا فكرة الفوضى إلى بناءة أو خلاقة بعد ذلك.

كانت أفكار الفوضى قد سيطرت على العقل الأوربي طويلا على نحو ملفت للنظر. ففضلا عن كتابات المستشرق أرنولد توينبي Arnold Joseph Toynbee، وهو المطلع الكبير على أعظم وثائق العالم في مكتبة المتحف البريطاني، فإن عددا لا يستهان به من المفكرين المحدثين ساروا على المنهج نفسه تقريبا في البحث عن ظواهر الفوضى وبطرق مختلفة. في حين توينبي الذي بدأ عمله في البحث عن الحضارات القديمة، وُفر له مناخ مناسب لوضع الحضارة العربية في موضعها الذي صدم الفكر الإنساني. وكذلك وقوف توينبي المستمر إلى جانب القضايا العربية وما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث أثارت مواقفه سجالا غربيا طويلا لا تزل آثاره قائمة إلى الوقت الحاضر في الفكر والثقافة. وكذلك الحال في "نبؤته" المهمة في سيادة الفوضى في العالم مستقبلا التي أتت أكلها في الوقت الحاضر.

لكنّ الفكر الغربي بقي يصدر التساؤلات تلو الأخرى في موجات تصدم الفكر الإنساني على نحو دائم، ويبدو أنه لن يكف عن ذلك منذ حقبة طويلة بسبب تكون العقل الغربي الحديث التواق في البحث عن العلل الأساسية للظواهر لكنه غالبا ما يهمل البحث  عن العلة الأولى للأشياء.

لا يفوتنا ونحن نتحدث عن المصير المحموم للحضارات والفوضى التي تجتاحها، وكذا التهديد بالسقوط المدوي للإنسان كما هو الحال بعد كلّ مرحلة تاريخية حافلة، ان نشير للمفكر والأديب البريطاني كولن ولسون Colin Wilson  الذي كانت له زاوية أخرى جديدة في دراسات مختلفة عن الإنسان ومصيره الكوني والسقوط الحضاري في كتابه المهم (سقوط الحضارة) والذي يعتبر عملا  مثمرا للأدب الغربي وبحثا دؤوبا في قوى الإنسان الروحية والفوضى العارمة التي تكتنفه؛ حيث يعتبر انه :" ليس هناك ما هو أكثر غموضا وعدم دقّة من مفهوم (الفوضى) في التاريخ الإنساني وتقصي مظاهرها الفكرية والموضوعية".

5- الفوضى والثورة أية علاقة؟

كانت معظم الثورات الكبرى – كحالات فوضوية متقدمة - توصف غالبا من أعدائها بالفوضى أو الخروج على القوانين والشرائع، ولذلك فقد ألصق الحكام المنتصرون والمهزومون على حدّ سواء أشنع الصفات بالثورات التي وصفت بالفوضوية غالبا. ثمّ ارتبط أسم الثورة بالفوضى على نحو متلازم يصعب الفكاك عنه، حتى بات من الصعب الفصل بينهما طوال حقب كثيرة من التاريخ الإنساني؛ ويعود سبب ذلك إلى أن مؤرخي الدول والملوك كانوا يعكسون دائما وجهة نظر الحكومات، وأن من يكتب التاريخ هم موظفو البلاطات المرتبطين بعجلة الدولة؛ أما التاريخ السري للشعوب والثورات المستعرة فيه التي تطالب بالحرية فلم يكتب بعد – من وجهة نظرنا على الأقل - وخاصة في الشرق والشرق الإسلامي. وما يزال أمام الفكر الإنساني حقبة طويلة من البحث في عصر انفجار المعلومات المذهل.

إن الحكام على اختلاف أماكنهم الجغرافية ومشاربهم الحكمية وطرق توليهم للسلطات، كانوا يصفون كلّ من يخرج على أنظمتهم بالفوضوي، وقاطع الطريق، والخارج عن القانون، والشرير المتنطّع، والمطلوب حيا أو ميتا.

ثمّ انسحبت تلك التهمة الفوضوية على الأنظمة الجمهورية الحديثة أيضا، حيث بدأوا يسوقون الثوار والمفكرين إلى المقاصل والسجون والمنافي. وشمل الداء الأنظمة الملكية الدستورية فأصبح كلّ من يخرج على الملك الدستوري أو الرئيس الحاكم الدستوري أو الحزب الحاكم، فوضويا، يحكم في محاكم خاصة فتنصب له المشانق أو فرق الإعدام بلا محاكمات. هكذا، أصبح كلّ مخالف بالرأي فوضويا وان لم يقصد ذلك، وكلّ ذي وجهة نظر مغايرة يستحقّ السجن في الصحراء أو يوضع في سجون حجرية شديدة التحصين.

ورغم ذلك فإن الفكر الغربي، والفكر السياسي بالذات، قد أستطاع أن يحل كثيرا من الإشكالات الإنسانية المتعلقة بتحديد رؤية الإنسان لحياته ومصيره عن طريق اختراع الأنظمة الديمقراطية وآلياتها. وما انتشار الأنظمة الديمقراطية في العالم بعد الحرب العالمية الثانية إلا دليلا واضحا على ذلك. لكن المشكلات المتعلقة بالفوضى الاجتماعية والاقتصادية وسؤ البيئة وانتشار العنف والتهديد بالحرب ما تزال قائمة.

بيد أننا في الوقت نفسه نشهد في بداية القرن الحادي والعشرين تراجعات خطيرة على مستوى الفكر الأميركي والأوربي تجاه رؤية الإنسان الأوربي والأميركي لطريقة العيش والتأمل، خصوصا بعد اندحار الاتحاد السوفيتي وتدهور الفكر الماركسي اللينيني على مستوى العالم باعتباره البديل الحي والممكن للفكر الرأسمالي وطريقة الحياة في ظل الاقتصاد الحرّ.

وما الفوضى البناءة في ظل هذا السياق إلا نظرية تقع في دائرة من "التسطيح" الفكري للتناقضات المركزية الكبرى التي تعتري الحياة الإنسانية و هي لا تتوافق وطريقة التفكير العميقة للإنسان في الغرب إبان القرنين التاسع عشر والعشرين.

طبعا يحق في هذا المقام طرح سؤال عرضي قد نجيب عنه في الجزء القادم، وهو:  اذا كانت نظرية الفوضى الخلاقة انعكاس للتسطيح الفكري الذي تعاني منه المجتمعات الغربية، فكيف بتوغلها في مشكلات العالمين العربي/الإسلامي والافريقي؟.

6- ماهية الفوضى الخلاقة بين دول الاتحاد الاوربي والولايات المتحدة... ام انعكاس الخواء الفكري الذي يعيشه العالم الغربي في عصر العولمة؟

- هل فكرة الفوضى الخلاقة ظاهرة عابرة "مودة" وستندثر كما هي نزعة "الروك اند رول" و "الشوبيز" و"البوب" فالأفكار تقترب في العالم الرأسمالي بهذا المقدار او ذاك من (المودة) التي تصدرها شركات الاسطوانات؟.

- هل ستدعو الفكر الغربي إلى طرح رؤى جديدة أكثر اتزانا؟ أم أنها بداية الخواء الفكري في عصر الاتصالات الكبرى الذي يتطلب إعادة النظر في رؤى الإنسان للعالم ومشكلاته على نطاق أوسع؟

للإجابة على تلك التساؤلات لا بد من الغوص عميقا من جديد في فكرة الفوضى الغربية وعلاقتها بالسياسة... الفكر السياسي لم يسمع بالفوضى البناءة - كمصطلح قابل للتداول سياسيا - إلا في وقت قريب. وكان علماء الفكر السياسي المعاصر قد حسبوا أن هذا المصطلح الفريد في صفته، والغريب في نحته، لن يعود إلى السطح السياسي للتداول المعرفي بعد موت "الفوضوية" الشائعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ كمذهب سياسي ظهر في حمى الحركات المتطرفة التي كانت تعتبر أن تغيير العالم يمكن من فوهة بندقية، مثلما هو من مداد أقلام مستمرة أيضا.

وللمذهب الفوضوي رواده وأتباعه ومعجبوه؛ فمن ذا الذي أيقظ تلك الأفكار الفوضوية القديمة من سباتها التاريخي؟

 ومن بعث فيها الحياة ثانية لتتبوأ مكانا مهما في عالمي السياسة والفكر على أعتاب القرن الحادي والعشرين؟

قدم بومارشيه Pierre-Augustin Caron de Beaumarchais نصيحة ثمينة على لسان بطله  "فيغارو" في رائعة شكسبير "حلاق أشبيلية" تتعلق بكيفية التخلص من "الآخرين" المناوئين بقوله:"إذا أردت ردع الآخرين عن التدخل في شؤونك، فما عليك إلا أن تجعلهم ينشغلون في شؤونهم الخاصة" لا شكّ بأن تلك النصيحة البسيطة والصعبة في آن، قد قدّمت على طاولة الآداب الأخلاقية أولا، لكنها كما يبدو وجدت منذئذ - من حيث لم يقصد الساسة الكوسموبوليتيون الجدد - طريقها بسهولة إلى ساحات العمل السياسي في العلاقات الدولية. فالانشغال بالشؤون الخاصة هي الاستراتيجية الرئيسة للفوضى البناءة في هذه المرحلة من حياة العالم.

وكأن علم السياسة الرأسمالي في عالم ما بعد الحرب الباردة 1945-1991 قد نضبت جعبته، وخلت أدواته، فطفق يستعير من الأدب وسائل معينة لتسيير آلته الضخمة، وما يقوّي العمل في أزمته الحالية، ويعضّد من فراغاته الفكرية الكبيرة التي أصبحت مثل هوات واسعة يصعب ردمها في عصر متسارع  الجميع يسميه عصر المعلومات..

مما يدفعنا للتساؤل القائل: كيف يمكن جعل (الآخرين) يدورون في حلقات مفرغة من المشكلات والأعباء والكوارث الدائمة حتى يمكن نسيان أعدائهم الحقيقيين في عصر المعلومات، وهم يرونهم على شاشات التلفاز صباح مساء؟؟، كيف يمكن ان ينسوا وهم كلما فتحوا  نوافذ منازلهم شبه المحطمة  يجدون عجلات  ودباباتهم وهي تكسّر ما تبقى من أرصفة الشوارع المحطمة أصلا؟؟؟

إن تلك هي مهمة المتذاكين الحسّابين والمناورين الباحثين عن كلّ مؤشر مفيد يمكن من خلاله إبقاء "الآخر" منشغلا عما يجري من حوله؛ وحدهم أولئك ممن يجلسون ليل نهار - الآن وفي أي وقت قادم تقريبا - وراء كومبيوتراتهم الخاصة لتحليل وجمع وتخزين وتبويب وترتيب أكبر ما يمكن من المعلومات الدقيقة عن أولئك "الآخرين" المزعجين لهم في العالم الذين لا يستحقون من الساسة الجدد غير تصميمات مسبقة ومحسوبة بعناية من أجل وضعهم في فوضى مبرمجة ؛ لكنها فوضى بناءة من وجهة نظرهم يمكن من خلالها - فقط - الخروج من قمقم 11 سبتمبر المزعج الذي لم يحسب له حسابا دقيقا!

من الصعب أن نجد - في هذه المدّة بالذات -  أي رؤية أميركية واضحة إزاء قضايا عالمية مهمة وساخنة تتحول إلى "بعبع" دائم على مستوى الإعلام العالمي. ولا تعدو تلك الأفكار الفوضوية السريعة والمعلّبة ـ غالبا ـ عن أن تكون مجرد (آراء) لأشخاص من تيار المحافظين الجدد(Institute for Advanced Strategic and Political Studies - IASPS)  الذين يعملون في الإدارة الأميركية حاليا، أو من أكاديميين مولعين بوضع نماذج مبسّطة تقترب من التسطيح الفكري –غالبا- لتفسير حركة العالم الرأسمالي الجديد ما بعد الحرب الباردة، وهم ذائبون على الترويج لمنطلقات فكرية تتناسب وتوجّهات الساسة المحاربين في البيت الأبيض، وكبار أصحاب الشركات المهتمة بالتصنيع العسكري.

ثم يتحول كلّ ما هو كائن إلى مجرد خطط على "دسكات/أقراص سرّية" ، بينما الامور على أرض الواقع تتحول الى كارثة لكنها بعيدا عن دوائر المخططين لها غالبا.

يحاول الساسة المحافظون الجدد من صقور البيت الأبيض حاليا أن يستعيروا - على الأقل - بعض تراث الراديكاليين الميتين في أواخر القرن التاسع عشر، من أجل تغيير العالم من وجهة نظرهم وعلى طريقتهم وليس بفعل العوامل المتفاعلة في داخله.

لكن تغيير العالم أصعب بكثير من تهديمه كما هو معروف. ومن المفيد النظر إلى طبيعة التغييرات بعيدا عن محاولة صناعتها أو افتعالها بما يخدم أفكارا وأهدافا مسبقة.

إنه المأزق الفكري نفسه الذي أحاط النظام الرأسمالي منذ ظهوره في أعقاب الانقلاب الصناعي في أواسط القرن الثامن عشر. كما إنها المعضلة نفسها تقريبا في عصر التوجّه العولمي الذي ينتاب العالم المعاصر. وإذا كان الفوضويون من فلاسفة القرن التاسع عشر الراديكاليين الحالمين بالثورة الكبرى المفاجئة والدائمة حتى انهيار آخر معقل للرأسمالية في العالم؛ قد رأوا أنه من الممكن أن يتحول العالم في ليلة كبرى واحدة بفعل إضرابات شعواء للعمال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، فإن مخططي السياسة الأميركية يأملون تحول العالم إلى صالحهم في مدة تاريخية وجيزة وقد يمكن تسريعها من خلال الأعمال العسكرية الاستباقية، فهل استعار المحافظون الجدد هذه الرؤية من خلال توقعهم التغيير السريع للعالم في مدة واحدة أيضا؟

إنهم الفوضويون المتقدمون بقوة هذه الأيام لكن في  زيّ اليمين هذه المرة.

هل يتعلق الامر بتبادل المواقع بين اليمين واليسار؟

أم ان كلّ ما حدث ويحدث راجع اساسا الى تحول في المواقع الجغرافية، أي انتقال القطب المركزي من أوربا العجوز إلى الولايات المتحدة؟.

هل ذلك ما يفسر المحاولات الأوربية – وعلى رأسهم ألمانيا-  في استعادة الموقع القديم، والتي بدأت بتشكيل الاتحاد الأوربي وانتهاء بدستوره الذي لم يتفق عليه ومرورا بالمعارضات الخجلة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط ميدان الفوضى البناءة؟؟؟؟.

7- الفوضى الخلاقة واليسار ... أو الى اي حد المحافظون الجدد يكيفون تجارب الثورات اليسارية؟

ربما هذا المرض "الأورَبَي" الأصل هو الذي حدا بكارل ماركس أن يقدم في أواخر عمره مبحثا مقتضبا عن طريقة الإنتاج الآسيوي في محاولة أخيرة للخروج من الأسر الأوربي.

يرى عدد مهم من المفكرين اليساريين واليمينين على حدّ سواء: إن الانتقال من اقتصاد متخلف إلى اقتصاد متقدم يحتاج إلى "فوضى بناءة" تدمر المؤسسات والتقاليد البالية وتمهّد لقيام اقتصاد جديد مبني على أسس متقدمة في علاقات الإنتاج ووسائل الإنتاج معا.

وجاء وقت اقتبس المحافظون الجدد  عقائد  تيارات يسارية، وآمنت بأن المجتمعات المتخلفة لن تنتقل إلى حال أفضل أكثر تقدماً اجتماعياً وسياسياً ما لم تنشب فيها فوضى عارمة تأتي على كل ما هو قديم وفاسد ومتعفن، ثم تفسح المجال لإقامة علاقات اجتماعية وسياسية متقدمة.

واحدى التجارب اليسارية التي يمكن ادراجها هنا هي  "التجربة الماوية" ، لأنها لا تختلف في مضمونها  كثيرا عن تلك المفاهيم الفوضوية التي ترسم الجدية ظاهريا، وإن اعتمدت على فلسفة جمعت بين الخصوصية الصينية القومية - حدّ الرجوع إلى الكونفوشيوسية - ومبادئ اليسار الأوروبي.

كانت الثورة الصينية الأولى، لسنة 1925-1927، ثورة بروليتارية حقيقية. لكنها أجهضت بسبب سياسات ستالين وبوخارين الخاطئة، التي رهنت الطبقة العاملة الصينية بقاطرة ما يسمى البرجوازية الديمقراطية، تحت قيادة تشانغ كاي تشيك (بالصينية 蔣中正 أو 蔣介石، بالإنجليزية Chiang Kai-shek). تم تذويب الحزب الشيوعي في حزب الكومينتانغ البرجوازي Kuomintang، بل قام ستالين بدعوة تشانغ كاي تشيك ليصبح عضوا في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية.

قادت هذه السياسة الكارثية إلى هزيمة رهيبة سنة 1927، عندما نظم "البرجوازي الديمقراطي" تشانغ كاي تشيك مجزرة ضد الشيوعيين في شنغهاي. كان السحق الذي تعرضت له الطبقة العاملة الصينية محددا لطبيعة الثورة الصينية التالية. إذ فر من تبقى من مناضلي الحزب الشيوعي إلى البوادي، حيث بدءوا ينظمون حرب عصابات على أساس جيش الفلاحين. وقد غير هذا بشكل جوهري من مسار الثورة.

لقد انتصرت ثورة 1949 بسبب وجود نظام الملاكين العقاريين والرأسمالية في مأزق بدون مخرج. كان لدا البرجوازي القومي تشانغ كاي تشيك، الذي استولى على السلطة سنة 1927 على جثث عمال شنغهاي، عقدان من الزمان لكي يبين ماذا في إمكانه أن ينجزه. لكن في النهاية، استمرت الصين بلدا تابعا للإمبريالية كما في السابق، فالمسألة الزراعية بقيت بدون حل، وضلت الصين بلدا متخلفا، شبه إقطاعي وشبه مستعمر. كانت البرجوازية الصينية، إلى جانب كل الطبقات المالكة الأخرى، مرتبطة بالإمبريالية، وتشكل كتلة رجعية معادية للتغيير.

انفضح تعفن البرجوازية الصينية عندما اجتاح الإمبرياليون اليابانيون منشوريا سنة 1931. طيلة الحرب ضد الغزاة اليابانيين اقترح الشيوعيون الصينيون جبهة موحدة على حزب البرجوازية القومية الكومينتانغ بقيادة تشانغ كاي تشيك. لكن في الواقع كان مستوى التعاون الفعلي بين قوات ماو وقوات الكومينتانغ ضعيفا. لقد كانت التحالف بين الحزب الشيوعي الصيني وبين حزب الكومينتانغ جبهة موحدة بالاسم فقط.

لقد اندمج نضال الصين ضد اليابان بالحرب العالمية الثانية. شارك الشيوعيون بالنصيب الأكبر في النضال ضد اليابانيين. بينما كانت قوات الكومينتانغ أكثر اهتماما بالقتال ضد الحمر. في دجنبر 1940، طالب تشانغ كاي تشيك الجيش الرابع الجديد، التابع للحزب الشيوعي، بأن يخلي إقليمي أنهوي وجيانغسو. الشيء الذي أدى إلى اندلاع مواجهات حامية بين جيش التحرير الشعبي وبين قوات تشانغ سقط خلالها آلاف القتلى. وقد شكل هذا الحدث نهاية ما سمي بالجبهة الموحدة.

في شهر يوليوز 1946، وبدعم نشيط من جانب الإمبريالية الأمريكية، أغرق الكومينتانغ الصين في أتون حرب أهلية رهيبة، وبوحشية غير مسبوقة. شن تشان كاي تشيك هجوما معاديا للثورة ضد جيش التحرير الشعبي. كان قد حضر لها بعناية، وكان قد صارت عنده آنذاك قوات تساوي حوالي ثلاثة أضعاف ونصف ما عند جيش التحرير الشعبي؛ كما أن التجهيزات كانت أكثر تفوقا بكثير. لقد كانت لديه الصناعات المتطورة ووسائل الاتصال الحديثة، بينما كان جيش التحرير الشعبي يفتقر إلى كل ذلك. من الناحية النظرية كان من المفترض أنه سيحقق نصرا سهلا.

خلال السنة الأولى من الحرب (يوليوز 1946- يونيو 1947) كان الكومينتانغ في موقع الهجوم، بينما اضطر جيش التحرير الشعبي إلى الدفاع. في البداية تمكنت قوات تشانغ كاي تشيك من التقدم بسرعة، محتلة العديد من المدن والمناطق التي كان جيش التحرير الشعبي يسيطر عليها. لقد حققت قوات الكومينتانغ ما بدا وكأنه انتصار حاسم عندما استولت على عاصمة جيش التحرير الشعبي يينان. اعتبر العديد من الملاحظين ذلك هزيمة ساحقة لجيش التحرير الشعبي. لكن هذا لم يكن صحيحا. إذ أن ماو، وفي مواجهة الظروف الغير المواتية، كان قد قرر القيام بانسحاب استراتيجي. لقد اتخذ قرار عدم محاولة الدفاع عن المدن الكبرى بقوات قليلة، وعوض ذلك ركز قواته في المناطق الريفية حيث كانت لديه قاعدة صلبة بين الفلاحين، وحيث كان في إمكانه اعادة تجميع قواته وتركيزها من أجل القيام بهجوم مضاد.

إن الشيء الذي عجز الإمبرياليون الأمريكيون وتشانغ كاي تشيك عن فهمه هو أن السلاح الأقوى الذي كان جيش التحرير الشعبي يمتلكه لم يكن هو المدافع والدبابات، بل الدعاية.

لقد وعد جيش التحرير الشعبي الفلاحين المعدمين والجائعين بأنه سيصبح في إمكانهم الاستيلاء على أراضي كبار الملاكين إذا ما هم قاتلوا إلى جانبه. في أغلب الحالات كانت البوادي المحيطة بالمدن والبلدات الصغيرة هي الأولى التي دخلت تحت سيطرة جيش التحرير الشعبي، قبل المدن بمدة طويلة. كان هذا هو أصل نظرية ماو القائلة بـ"محاصرة المدن بالبوادي".

أقام ماو أسس دولة جديدة، ليس بالاستناد مباشرة على الطبقة العاملة، بل من خلال التذبذب بين الطبقات، وبواسطة هذه الدولة قام بمصادرة أملاك الملاكين العقاريين الكبار والرأسماليين. وبالرغم من الطريقة المشوهة التي تم بها ذلك، فإن إقامة اقتصاد مؤمم ومخطط شكل إجراءا تقدميا وخطوة هائلة إلى الأمام بالنسبة للصين. إلا أنها لم تكن ثورة بروليتارية بالمعنى الذي حدده ماركس ولينين. لقد عمل الستالينيون الصينيون، باسم البروليتاريا، على إنجاز المهام الاقتصادية الأساسية للثورة الاشتراكية، إلا أن العمال الصينين لم يلعبوا دورا نشيطا خلال الحرب الأهلية، ولم يلعبوا دورا مستقلا في السيرورة بأسرها.

نتيجة لذلك، أنجزت الثورة بطريقة بونابرتية، من فوق، بدون مشاركة العمال ورقابتهم الديمقراطية. أقامت البيروقراطية نظاما ديكتاتوريا كليانيا أحادي الحزب، على شاكلة روسيا الستالينية. وقد كانت هذه النتيجة متوقعة بشكل كامل بالنظر إلى الطريقة التي أنجزت بها الثورة، وبالنظر إلى وجود نظام ستاليني قوي على حدود الصين.

استخدم ماو جيش الفلاحين قوة ضاربة لإسقاط الدولة القديمة. لكن طبقة الفلاحين هي الطبقة الأقل قدرة على امتلاك وعي اشتراكي. يمكن للفلاحين، في البلدان المتخلفة المستعمرة والشبه مستعمرة، أن يلعبوا بطبيعة الحال، دورا هاما جدا، لكنه لا يمكن أن يكون لهم سوى دور مساعد، ورهين بالحركة الثورية للعمال في المدن.

كان ماو  Mao كثوري/فوضوي عتيد يعتقد – وكذلك لينين إلى حدّ ما - أن الاستقرار العام لمدة طويلة يجعل المجتمعات أكثر قابلية للتعفن؛ فالفساد والإهمال واللامبالاة والكسل والأوبئة وانحسار العلم وانهيار التعليم وانتشار التعصب الديني والطائفي والعرقي وعدد آخر لا يحصى من أمراض التخلف تنتعش وتتفاقم في عصور ركود المجتمعات واستسلام النخب فيها للأمر الواقع المستقر لأمد طويل. لذلك لا بدّ من إحداث خلخلة (ما) في تلك المجتمعات الساكنة من اجل تغيير العلاقات التقليدية السائدة فيها.

ففكر الفوضى البناءة يتجاوز في مضمونه اليمين واليسار مادام الوضع يخدم القائمين بالعمل على إحداث عملية الفوضى، وما دامت الرغبة بالتغيير قائمة؛ ربما يكون شعار الجميع: تحرّك، ثم لنفكر بعد ذلك في ما يمكن عمله.

ففي سنوات الاستقرار الراكد تطمئن النخب الحاكمة إلى هيمنتها وبقائها وتصفي خصومها وتتجمد فلا تتجدد وهي تقاوم كل تجديد. فتفسد ثم تتوسع في الإفساد حتى تنهار القيم وتضعف العزائم ويسود بين الناس اليأس والتشاؤم.

ولذلك سمح ماو للحزب بأن يقود عملية "تثوير" المجتمع الصيني على طريقته، ثم لتستقر السلطة في أيدي الحزب الواحد أخيرا، فقاد واحدة من أكثر عمليات الفوضى في تاريخ الصين الشيوعية تمثلت في الثورة الثقافية عام 1966.  

لقد تولت البيروقراطية الصينية مسؤولية إدارة المجتمع بعد سنوات قليلة من قيام حرب التحرير ، لكن الزعيم ماو لم يكن مرتاحا لذلك النصر الذي بات ساكنا من وجهة نظره؛ فاشتعلت "الثورة الثقافية" لتقضي على امتيازات طبقة جديدة من البيروقراطيين الجدد التي استبدت وطغت كما كان يفعل رجال الإدارة عبر مختلف عصور الإمبراطوريات الصينية. ثم ترك ماو الثورة الثقافية كحالة فوضوية متقدمة تأخذ مداها قبل أن يسلم السلطة في النهاية إلى العسكر، ومنهم مرة أخرى إلى الحزب الذي استمر يحكم ويهيمن على مفاصل الدولة والمجتمع.

لم تستطع الفوضى البناءة الصينية على أية حال أن تحقق أهدافها إذ لم تلبث أن سقطت الصين في براثن الاقتصاد الرأسمالي، وبما يعرف باشتراكية السوق التي ظهرت بأبهى صورها في إعلانات الرفاهية المطلقة في بكين وازدياد أعداد المليارديرات الصفر. وتعد الثورة الثقافية واحدة من أبرز مظاهر الفوضى التي أريد لها أن تكون بناءة للحزب والمجتمع والدولة على حدّ سواء. وربما جاءت من عصارة فكر رجل واحد في الصين – ماو- التي كان تعداد نفوسها آنذاك أكثر من ثلاثة أرباع المليار من البشر.

وهاهي الولايات المتحدة الأميركية تكاد أن تطرق باب المنهج نفسه من خلال مرحلة تاريخية جديدة دون أن تعتبر من الدروس السابقة. كانت الغاية التي تحتل المرتبة الأولى في الأهداف الإستراتيجية الأميركية الحالية هي الحفاظ على التفوق الأميركي والبقاء في سدة القطبية الأحادية لأطول مدة ممكنة تاريخيا من خلال إشاعة الفوضى في العالم ربما مثلما أراد الرئيس ماو لشيوعيته أن تتجدد من خلال فوضى الثورة الثقافية مع فارق المساحة والمكان ووحدة الهدف. ومن الصعب التكهن بموعد للنزول أو التدحرج السريعين من على سدة القطبية الأحادية؛ ولذلك تسعى الولايات المتحدة بأي ثمن، وبأية وسيلة إلى توفير الاستقرار والازدهار والأمن للمجتمع الأميركي أولاً ومن ثم للحلفاء من جهة أخرى، ثم إغراق الآخرين بالفوضى والتخلف والحروب الأهلية. فجاءت فكرة الفوضى البناءة هذه المرة من القطب الآخر عبر الأطلسي؛ فقط وجبت الإشارة هنا إلى انه ليس للولايات المتحدة قصب السبق هذه المرة أيضا وفي كلّ شيء منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا؟

إذن ما يقوم به المحافظون الجدد/الولايات المتحدة الامريكية هو محاولة مركزة الفكر مفروضة بالقوة العسكرية، ولا حاجة بنا إلى التدقيق مليا في هذا "الاستنتاج القسري" مادامت سياستهم تؤكد باستمرار انهم تعتبرون  نفسهم القوة الوحيد في العالم وأي محاولة للحيلولة دون بقائهم كقطب وحيد، هي طعن في ظهر الإمبراطورية.

عمليا تعمد الولايات المتحدة إلى تصدير الفوضى إلى البلدان في البداية ومن ثم تأتي بعد ذلك لتعمل على عملية بناء تصب دائما في مصالحها الستراتيجية.

ليس ثمة بناء على أية حال يعقب ذلك.  فالفوضى لا يمكنها أن تأتي بأية بناءات مفيدة، وما تفعل بعدها هي خلق قوى أخرى بلا شك. لن أناقش في هذا المقال  دور "المؤامرة" في تنفيذ الفوضى البناءة، ولا أقول بالثورة الدائمة، لأن الثورة قد تعزز ما لا يحب اليمين المحافظ الأمريكي أن يراه قائماً أو مستمراً في الشرق الأوسط.

ونعرف أن ما حدث في المجر ورومانيا وجورجيا وأوكرانيا، وكاد يحدث في روسيا حين خرج عشرات أو مئات الألوف في مظاهرات ملونة كان بتخطيط وتمويل أمريكيين. وكان الهدف منه ليس إسقاط حكومات بعينها أو أنظمة حكم شيوعية، ولكن أيضاً تدمير مؤسسات وأفكار وقيادات استقرت طويلاً، ولن تكون ذات فائدة لأغراض الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة.

كما يمكننا أن نجد ذلك بوضوح تام بعد احتلال العراق أيضا حيث تمّ القضاء على جميع مظاهر الدولة ومؤسساتها والتراث الحي للشعب العراقي، وتسير الخطى حثيثا للقضاء على النسيج الاجتماعي في ظل فوضى عارمة.

هذه المعادلة دعت الولايات المتحدة إلى عدم التقيّد بآليات الأمم المتحدة حتى يكون تدخلها ألاستباقي مباحاً وأكثر ردعاً وسرعة وتطابقاً مع مصالحها القومية.

8- في ختام هذا الجزء: الفوضى الخلاقة والاحادية القطبية، أم العنصرية الدينية الطائفية و المجالية؟

يقول الفيلسوف الروسي الكسندر ربانارين في مؤلفه " الإغواء بالعولمة " : "أنه من المقرر استخدام توصيات "الدارونية" الاجتماعية الاقتصادية على النطاق العالمي. وهكذا فالعولمة المتوحشة التي تقودها قوى الرأسمال المالي لابد لها من سحق معظم القوى التي تقف أمامها وبلا هوادة من اجل وضع خارطة جديدة لمصالحها على مستوى العالم. وهذا هو ما نتج عن الفراغ الستراتيجي اقتصاديا عن غياب الاتحاد السوفيتي كمعادل قطبي".

وجهة النظر هذه تصبح مقبولة إذا دققنا النظر في الاستخدام الموسع لـ " صيغة مدرسة شيكاغو " المعنية بالتطورات الفكرية الرأسمالية خاصة، يظهر العالم مكانا للمؤسسات أو الفئات الاجتماعية المنفصلة غير القادرة على الاستمرار: شعوب غير قادرة على التكيف لا ينبغي منحها " قروض التنمية " كي لا تغرق كوكبنا الضيق بمادة بشرية سيئة النوعية.  

شعوب شمالية قادرة على التكيف والاستمرار مع مستجدات العلم وهجمات الرأسمال المتوحش. وبذلك تغدو الدارونية الاجتماعية الاقتصادية " عنصرية عادية " ويمكن من خلالها ظهور نمط عنصري مقبول عالميا يذكرنا بالأطروحات الميتة والهزيلة للنازية.

وإذا كان العالم بناءً على هذه النظرية مقسماً إلى أقلية قادرة على التكيف  (تقطن بالشمال الغربي للكرة الارضية + اسرائيل) وأخرى لا تتمكن من ذلك (تقطن باقي المجال الارضي)، فإن الفئة الأولى هي التي تصبح مالكة لموارد الكوكب من غير منازع، إلى جانب أغلبية منبوذة غير قادرة على التكيف ... يتم تدريجيا اقصاؤها من عملية الخصخصة العالمية .

أفلا ينتظرنا بالتالي خيار عنف جديد قائم على الرؤى الطبقية، أو رؤى فؤوية أو رؤى جهوية بين الشمال والجنوب، بعد أن اجتاح العالم خيار عنف ديني متطرف؟

لا شكّ بان خيار العنف هذا سوف يظهر قريبا على مستوى العالم ليفرز لنا ظاهرة أخرى ربما تكون أشد فتكا من التطرف الديني. بحيث سنواجه احدى الحالتين :

- إما عصيان الأغلبية المنبوذة على نطاق كبير كما هي الأوضاع التي تنبئ عنها شعوب أميركا اللاتينية؛

-  وإما الرضوخ لديكتاتورية " القطب الواحد " العالمية التي تستعد لقمع هذا العصيان الكامن أينما كان.

طبعا كما لا يمكن القبول بنتائج الخصخصة والليبرالية الجديدة، فلا يمكن تحمل ديكتاتورية المحافظون الجدد وسياسيتهم العالمية الشاذة، لأن لكلاهما النتيجة نفسها: الانهيار على مستوى العالمي  هذه المرة من اجل إحداث اكبر مقدار ممكن من الفوضى الشاملة فيه....!!!!

واصل الغرب الرأسمالي في بداية القرن الحادي العشرين سيره الحثيث متوحدا نحو المجهول في بحثه عن الفوضى المنتجة للمكاسب المادية ولا زال لا يعرف متى عليه التوقف لأنه ببساطة تجاوز ما كان يبحث عنه، هل يجهل الغرب ما يبحث عنه على الرغم من معدلات المعلومات المتعالية التي تجتاح العلم والفكر الإنسانيين يوميا؟؟؟؟... أم انه لم يعد  - على ما يبدو - مهتما كثيرا بتلك العبارة الشهيرة المكتوبة على معبد دلفي في أثينا (أعرف نفسك) التي بقيت ماثلة عدة قرون قبل ميلاد المسيح. 

من الصعب، طبعا، في عصر ثورة المعلومات التقدم ثانية بهذه النصيحة لمعرفة الذات والتأمل على أية حال ....  لأنه و على الرغم من ذلك الهوس المتواصل بما جنته البشرية من معلومات ثرية وعميقة في الربع الأخير من القرن العشرين، إلا أنها في اعتقادنا مازالت تحتاج - وخاصة في الغرب - إلى مراجعة حثيثة للذات على نطاق واسع.

تحياتي

عبد العالي الجابري - وجدة، 18 يونيو 2015.

يتبع

{jcomments on}

انظم لتتابع اخبارنا

ملاحظات على هامش الأحداث

الرياض تعترف باتفاقية كامب ديفيد بعد 39 عاما

 

أعادت مصر في نهاية المطاف جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية، طبقا لوعدها في 11 نيسان-أبريل 2016 .

هذا يعني أن الرياض قد التزمت باتفاقية كامب ديفيد والتي بموجبها يتعين على مالك هاتين الجزيرتين أن لا يعيق حركة المرور في المضيق ويكفل حرية مرور السفن الإسرائيلية .

اعترض العديد من المصريين على قرار الرئيس السيسي بنقل السيادة. ولجعلهم يتقبلونه، ادعت الحكومة المصرية أنه لم يكن لديها يوما أي حق بامتلاك هذه الأراضي.

لكن الحقيقة تبقى عنيدة، وهاتين الجزيرتين هما ملك القاهرة منذ اتفاقية لندن لعام 1840. ولإجبار مصر على انفصالها عن تيران وصنافير، أقدمت المملكة العربية السعودية أولا على وقف شحنات البترول، ثم تجميد قرض بقيمة 12 مليار دولار.

في نهاية المطاف، وافق مجلس الشعب المصري على الاتفاق على مضض.

إن الاعتراف، بحكم الأمر الواقع، باتفاقية كامب ديفيد لعام 1978 ( أي بسلام منفصل بين مصر وإسرائيل) من شأنه أن يسمح بليونة القواعد بين البلدين.

كنا قد أعلنا عن توقيع اتفاق سري بين تل أبيب والرياض في حزيران- يونيو 2015 ، وعن دور الجيش الإسرائيلي في القوة المشتركة "العربية" في اليمن  وإقدام الأسرة السعودية الحاكمة على شراء قنابل ذرية تكتيكية من إسرائيل. 

سوف يكون لهذه الاتفاقية عواقب هامة على القضية الفلسطينية

 

قضية الصحراء المغربية

احصائيات هامة

Compteur d'affichages des articles
9198605

آخر اخبار فرنسا

المتابعون حاليا

Nous avons 116 invités et aucun membre en ligne

عداد زوار الموقع

10444082
اليوم
يوم أمس
هذا الأسبوع
مؤشر التطور
هذا الشهر
الشهر الماضي
منذ 11/11/2011
2050
8259
10309
588007
153521
92799
10444082

Your IP: 54.145.69.236
2017-06-26 06:50

مساعداتكم لموقعنا

Thank you for your donation.



دخول المنخرطين