محمد طالبي: من وحي الرحلة…..” ترامْ وايْ” الخامسة بعد الزوال

محمد طالبي

كانت الساعة تشير إلى تمام الخامسة بعد الزوال، حين ركبت ” الترامْ وايْ ” ـ ذلك القطار الباريسي الراقي ـ عائدا إلى مقر أقامتي، كنت متعبا جدا، رغبت في استبدال حذائي الرياضي بنعل جلدي، لكن العملية محرجة، بل غير ممكنة، لقد قضيت نهاري متجولا، مستكشفا لما تحضنه هذه المدينة الساحرة من إرث حضاري، ومدنية مفعمة بعبق التاريخ وسحر الحياة اليومية، لكن رفيقتي أنهكها السير، ولم تعد تقو على مجاراتي، بل توعدتني بعدم مرافقتي مرة أخرى، وتساءلت باستنكار : لماذا تصر في تجوالنا على اعتماد الرقم ” إحدى عشر” ؟ مع أن ابنتي ـ اكرمها الله ـ حجزت لنا تذاكر التنقل.
انشرحت حين بدت لي بعض المقاعد شاغرة، هي فرصتي لاستعادة أنفاسي، وتخفيف الضغط على رفيقتي، أخذت مقعدي، واتكأت إلى الخلف، ومددت رجلي اليسرى على الكرسي المقابل، فشعرت براحة تامة، ورغبة ملحة في النوم، نبهني ضمير الحاضر المتصل ـ رفيقتي في الرحلة ـ إلى ملصق أزرق صغير فوق النافذة عن يساري، رسمت عليه باللون الأبيض، صورة شخص في نفس وضعيتي، مع علامة منع مد الرجل على المقعد المقابل، تعلوها عبارة: ” حافظوا على تْرامكم”، نظرت حولي، واطمأنيت أن لا أحد انتبه إلى ” تشتتي ” على المقعدين، انتظمت في جلوسي، وابتسمت ساخرا، وذكرت رفيقتي بأسفارنا داخل الوطن، قبل أن نتمكن من امتلاك سيارة، ـ خاصة في مواسم العطل المدرسية والأعياد ـ يوم كنا نحمد الله كلما تمكننا من صعود القطار أو الحافلة، غير آبهين بالذين أسعفهم الحظ قبلنا، فاحتلوا المقاعد، وسافروا نائمين مطمئنين، بينما نحن واقفون نعدّ المحطات المتبقية.
ـ قالت : لا أدري لماذا لا تستطيع التخلص من هذه الصور البئيسة حتى وأنت في عاصمة الأنوار ؟
ـ قلت : كيف لي ان أفعل، وقاعدة “تزاحموا تراحموا ” هي السنة المؤكدة في نقلنا العمومي 
ـ قالت : دعنا من هذا الكلام، فلن تتغير حال دار لقمان، مادام وعاظنا هم من يوقعون على دفتر التحملات.
تطلعت إلى الملصق، متأملا عبارة ” حافظوا على تْرامكم”، فقلت لرفيقتي مازحا: إذا كان ضمير جمع المخاطب ” كم ” من باب الاحترام والتقدير يعود علي، فهذا يعني أن لي في هذا القطار نصيب، أو قولي إنني أملك قطارا في أوروبا، ومن حقي أن أحاسب وأتحاسب مع عاملي وإدارة السكك الحديدية، كي أطلع على الصوائر والمداخيل والأرباح، بل قد أعطل “الترام ” عن الاشتغال إذا ما أثار أمر ما أعصابي، وعكر مزاجي، وقد أفكر في بيع هذا النصيب، لأنني غير مقيم في هذا البلد، فاشتري بثمنه ضيعة فلاحية شاسعة في بلادي، لكن لا أستثمر في الحليب، فقد حفظت الدرس جيدا، مع أنني لا أفقه في أمور الفلاحة، وما رأيك بسيارة خاصة بك وبعائلتك ؟ حتى لا نختلف حول سيارتنا الوحيدة. 
لكن، ألا تعتقدين أن في الأمر غرابة، إذ كيف يعقل أن بعض سماسرة بلادي، ممن يعشقون التسوق في ” الشونزيليزيه” ، لم يفطنوا إلى الأمر، مع أنهم لا يخلفون الموعد مع مثل هذه “الوجيبات” ؟ 
جميل، لأول مرة يعود علي ضمير الجمع بالخير والبركات.
ـ ردت رفيقتي بالقول : ربما الآن فطنت لمغزى حرفي التوكيد وصيغة المبالغة، في الآية الكريمة ” إن النفس لأمارة بالسوء ” ألا تعتقد أن اناسا سبقوك إلى هذا المقعد، فعاد عليهم ضمير الاحترام والتقدير كما أنت الآن، ولم يخطر ببالهم أن الملصق هو إشهار لعقد الملكية، يسمح لهم بتعطيل القطار أوبيعه، لعل انتظارنا الطويل في محطات الحافلات والقطارات والمستشفيات هنالك، هو من اعتقادالواهمين ـ مثلك ـ أن ضمير التقدير والاحترام، يبيح لهم حق التصرف، فباعوا ممتلكاتنا، واستثمروا العائدات، في الجنس والسياسة وترميم بعض المساجد الآيلة للسقوط.
ـ قلت : دعينا من هذه التهم الثقيلة، ولماذا في نظرك يوهمنا الملصق بأن “الترام ” هو ملكنا ؟
ـ قالت : ليس وهما، بل حقيقة، فقط ، ضمير الجمع يجمع بين الاحترام والتقدير والملكية الجماعية، أو بلغة اهل التشريعات غير المعمول بها عندنا “ملك عمومي”، يضمن للناس سلاسة الحياة اليومية، وهو أيضا فضاء مشترك، تنسج فيه العلاقات الإنسانية.
ـ قلت : إذن لماذا لم يكتبوا بلغة فصيحة ـ كما الامور عندنا ـ ” ممنوع مد الرجل على المقعد المقابل ” ؟ ويجنبوننا هذا الالتباس المغري .
ـ قالت : هم فعلا لا يفقهون في لغة الخشب والرصاص، والسيف والقرطاس والقلم، وهناك لفظة في الزاوية، في اسفل الملصق ” مواطنة” ربما رغبتك الدفينة في الاغتناء السريع، جعلتك لا تنتبه إليها، فهي المرجع في تحديد نظام الاستغلال الجماعي، وهي اختزال لشريعة أمة تربت على حماية ممتلكاتها.
ـ قلت : ولماذا لم تكتب هذه اللفظة العجيبة بالبند العريض ؟ مادام الأمر بكل هذه الأهمية. 
ـ قالت : هي موشومة في نفوس وأذهان هؤلاء الذين تنعتونهم ” بالكفرة “، وربما دونت بخجل للوافدين من المؤمنين، عملا بقاعدتكم ” ذكر، فإنما ….”.
ـ قلت : لربما أظن ـ وبعض الظن إثم ـ أني بت أصدق قول شاعرنا المهجري حين وجد ضالته في بلاد “اللاتين” :
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلا وسهلا بعده بجهنما
ـ قالت : لا أنصحك بالتطرف إلى هذا الحد، فالشعراء يتبعهم الغاوون، وقد يعرض أمرك على حماة الدين والعقيدة، فتصبح حلاج عصرك، ويصدر أمر بهدر دمك، ينسي الناس الحديث الممل حول هدر المال العام،والهدر المدرسي.
ـ قلت : إذن ما رأيك في أن نقترح الملصق على مسؤولي قطاراتنا عندما نعود إلى أرض الوطن؟ وكعادتنا، قد نتصرف في الصورة، أو نطورها، كأننضع بدل الرجل يد، ونعممها على المصالح والإدارات، وعلى كل المرافق العمومية، أو قد نجمع بين الرجل واليد في نفس الشعار، لأننا عادة ما نستعين بالرجل على الأشياء التي نقبض عليها باليد، لأننا لا نطمئن إلا إذا سلخنا أمورنا، فتكون فكرة الملصق أوضح وأنضج، ثم إن اجتهادنا هذا، سيجنبنا وجع الراس الذي قد يسببه لنا اصحاب حقوق الملكية الفكرية.
ـ قالت :أنا على يقين أن لا جدوى من ملصق غير مضمن عبارة “صنع في مدرستنا العمومية “، وإلى ذلك الحين، خد صورة تذكارية للملصق، وتهيأ للنزول، فقطارنا يدخل محطته الأخيرة، واحمد الله أن لا احد في هذا البلد أغرته فكرة البيع، وإلا كنا سنعود إلى مقر إقامتنا مترجلين.

المصدر : https://www.facebook.com/talbi.moh61

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*