عبد السلام المساوي : المهرجان الدولي لفن الراي،موسم الهجرة الى الفرح

المهرجان الدولي لفن الراي

كل عام ووجدة على موعد مع مهرجان الراي،

 على موعد مع مهرجان الفرح.

ان المهرجانات الفنية والثقافية تساهم وبالضرورة في صنع الفرح، لذا تحرص كل الأمم على تنظيمها خصوصا في فصل الصيف، فصل الهروب من الملل والرتابة. وجمعية وجدة فنون، بتنظيمها ما بين 14 و 21  يوليوز 2018 المهرجان الدولي للراي في طبعته الثانية عشر، واعية كل الوعي بدور هذا المهرجان في خلق الفرحة والبهجة، في الترفيه عن النفس وتنمية العقل، واعية كل الوعي بأن المهرجان مناسبة يعود فيها الانسان الى ذاته، فرصة للتصالح مع الأنا والغير، موعد مع العاطفة والوجدان، فضاء لتفجير الطاقات الابداعية والقدرات المكبوتة، واعية كل الوعي بأن المهرجان يساهم في اشاعة القيم الانسانية والاخلاق النبيلة، انه تجسد بتجليلاته الفنية وتمظهراته الفكرية لحظة لمعانقة اسمى العواطف الانسانية، أنبلها وأقدسها، لمعانقة الحب والتسامح، التواصل والانفتاح، الصدق والصداقة، الابداع والجمال.
لقد نجح المهرجان الدولي للراي في دوراته السابقة بكل المقاييس، وهذا ما يشهد له الحضور الجماهيري الكثيف، وهذا الحضور لم يكن حضورا شيئيا بل حضورا انسانيا، حضورا فاعلا ودالا، فاعلا من حيث أن آلاف المواطنات والمواطنين الذين أقبلوا على هذا المهرجان، تفاعلوا مع تعبيراته الفنية المتنوعة والمتميزة، منها ما يستحضر الموروث الفني والثقافي ما ينم عن ابداعات واعدة، تفاعلوا مع الانتاجات الفنية التي تعكس سمو الانسان عندما ترفع عنه القيود والأغلال، آلاف المواطنلت والمواطنين انصتوا وشاهدوا ورقصوا حاوروا وناقشوا، سألوا وتساءلوا، علقوا ونقدوا، وقبل هذا وبعده حيوا وثمنوا
هذا الحضور الذي عاش طقوس المهرجان كان ردا قويا على اولائك الذين يحرمون الفن ويكفرون الابداع، ورسالة شفافة مفادها تشبث المغاربة بالفرح، تذوقهم للفن وعشقهم للابداع. أقبل المواطنات والمواطنون بحرية واختيار، أقبلوا على الحياة، ونحن شعب حي، رافضين الحجر والوصاية، اقبلوا على الحياة تلبية لنداء نابع من الداخل، نداء حطم الفتاوى الصادرة عن فراغ.
أقبل المواطنون والمواطنات بالآلاف، مختلف الأعمار والفئات، لوحات بشرية دافئة، علاقات انسانية حميمية، تفاعلات حضارية راقية، عانقوا مهرجان الراي، الفصل صيف، موسم التقاء مع فضاء جميل، واسع فسيح، موسم التحرر من ضيق المكان وعنف الزمان، موسم الحرية والتحرر، التحرر من الضبط والانضباط، من الرتابة والآلية من التوقيت والميكانيكية.
ان الاقبال الجماهيري الواسع على مهرجان الراي بوجدة، يبرز تهافت ادعاءات البعض وتشككات البعض الآخر، ويبرز حدود تأثير أطروحاتهم على أوسع قطاعات الشباب وعلى نمط الجيل الصاعد في التفكير والممارسة.
فعندما يفوق المتفرجون في مهرجان الراي آلاف المرات عدد المساهمين في التظاهرات والأنشطة المحلية التي تنظمها الأحزاب والحركات، ويتسم برنامج المهرجان بانفتاح على انواع موسيقية حديثة وألوان جديدة ومستوردة، فإن ذلك يكذب أسطورة أن أغلبية ساكنة وجدة هي مع التصورات المحافظة في الثقافة والفن التي يروج لها المحافظون. ولقد ظل هؤلاء يرددون مرارا أنهم يمثلون أحسن تمثيل الأكثرية داخل المجتمع، ويطلبون من القوى الأخرى احترام رأي هذه الأكثرية وتوجهاتها، فكأنهم من خلال مهرجان الراي يكتشفون “شعبا” آخر “غير مرئي” فيشعرون بلا شك بحرج جديد. إن صورة المجتمع الوجدي كمجتمع محافظ يقيم مع هويته علاقة انغلاق وتشنج، ويرفض الانفتاح على الثقافات والفنون الأخرى، ويعتبر أن انتماءه الديني يفرض عليه عدم التجاوب مع مختلف أنواع الموسيقى والرقص، تنهدم ربما أمام ما يتمتع به مهرجان الراي من شعبية كبيرة. ولقد ظل البعض يردد أن الأعمال التي تقع في المهرجان تخالف قيم المجتمع المغربي، كما لو أن الذين يأتون تلك “الأعمال” ليسوا مغاربة!
إن إقبال عشرات الآلاف من الأسر على انشطة المهرجان للراي يرسم لنا جميعا حدود التغلغل الأصولي في الفكر المغربي، ويبين إفلاس فكرة فرض نمط فني واحد على كل المغاربة، وينازع في حق نخبة معينة في أن يختار للمغاربة نوع الفن والغناء الذي يتعين عليهم التعامل معه.
من السهولة بمكان أن يدعي أحد ما أن فنا معينا لا يعجبه هو “فن ساقط” لا يستحق الحياة، ويتعين الأمر باعدامه، أو أن يفتي بأن أبناءنا اليوم يجب ان يتبعوا نهج آبائهم وجدادهم في التعاطي مع الفنون، وصحيح أن هناك ضرورة لانتقاء العروض الغنائية والفنية المقدمة، ولكن هذا الانتقاء يجب أن يراعي تعدد واختلاف الأذواق، وان يعتمد على المعايير العلمية المعروفة دوليا لدى المتخصصين في الموسيقى.
ومع ذلك علينا ان نعترف بأن الكثير من المعارضين للمهرجان، لهذه الأسباب او تلك، هم الآن ربما بصدد اعادة “تقويم” مقاربتهم لمهرجان الراي بعض الشيء، خصوصا لما عاينوا التفاعل الجماهيري الواسع مع هذه التظاهريا الفنية الكبرى التي ما فتئت تعرف المزيد من النجاح والتألق ومن طبعة الى أخرى، ولما تبين لهم أن هذا المهرجان أصبح مكسبا فنيا وثقافيا لا يمكن لساكنة الجهة الشرقية التفريط فيه.
إن الدول التي راهنت على الانسان هي التي استطاعت القطع مع التخلف وكسب رهان التنمية، والرهان على الانسان يتأسس على تعليمه وتربيته على توعيته وتكوينه، على تأهيله لكسب المعرفة وتذوق الفن، وهذه أسباب تساهم في كسب المناعة ضد الفساد الاخلاقي والانحراف السلوكي، ولقد ثبت بالتجربة والدراسة، بالمعاينة والمقارنة ان الدول التي يتعشعش فيها الفساد والانحراف، المرض والشذوذ، هي تلك الدول التي تغرق في الجهل والأمية، تلك التي اعتمدت القمع والضغط، المنع والحرمان… تقنيات للسيطرة والهيمنة. ولقد ثبت ان الشعب الفنان شعب يعشق السلم والحب ويمقت العنف والتطرف.
وإذا كان مهرجان الراي مهرجان للفن والموسيقى وافقا للخلق والابداع، فهو أيضا وبنفس الضرورة وسيلة للتنمية الاقتصادية والبشرية، ساهم في التعريف بجغرافيتنا، تاريخنا، فضاءاتنا ثقافاتنا، التعريف بجمال جهتنا الساحر بالتنوع الطبيعي والفني والثقافي… اذن فهذا المهرجان يلعب دوره – ونحن في حاجة الى هذا الدور – في جلب السياح واستقطاب المستثمرين، هو أيضا مناسبة للانتعاش الاقتصادي خصوصا في منطقة طالها التهميش وانهكها الركود في العقود الماضية. ان المهرجان الدولي لفن الراي كان له دور كبير في تسويق صورة مدينة وجدة، ويلاحظ الجميع ان الكمانة التي يحتلها اليوم في نفوس الناس داخل المدينة او خارجها وخارج الوطن ليست هي المكانة التي كانت لديها قبل سنوات.
واذا كان المهرجان الدولي لفن الراي قد عرف نجاحا هاما في الدورات السابقة، فإن المتتبعين لهذه التظاهرة الفنية الكبرى التي تحتضنها وجدة عاصمة الجهةالشرقية سجلوا  تفوقا وتألقا لهذه الطبعة الثانية عشرة، اعتبارا لجدية الجهة الساهرة على تنظيم المهرجان وتدبير شؤونه.
اختارت جمعية وجدة فنون الدكتور محمد اعمارة رئيسا لها، وهو اختيار ناجح، انه الرجل المناسب في اللحظة والمكان المناسبين، رجل جدي ونزيه… يشتغل بصمت، يكره الثرثرة ولغو الكلام، مستعد ليخسر كل شيء إلا كرامته ومصداقيته. فلا خوف على المهرجان ، ولا خوف على الميزانية “الهزيلة” التي ستدبر بها أيام المهرجان، وعلى الجميع الانخراط في انجاح هذه التظاهرة الفنية الكبرى، فالرابح في نهاية المطاف هو وجدة وأهلها.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*