التدبير التربوي للعطلة أسريا

الزكري عبدالرؤوف

قال رسول الله﴿ص﴾:”نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”

إن فترة العطل والصيفية منها على الخصوص٬ وفي غياب مؤسسات ذات خدمة تربوية مساعدة لمهمة الاباء والأمهات، وحيث تغلق كل الأندية والجمعيات أبوابها كما المدارس طبعا. التي كان يقضي فيها أطفالنا جل أوقاتهم، ويتكفل موسم الشتاء ببرده ومطره وقصر طول النهار بالباقي، فلا يبقى للمرء مجال لطرح سؤال تدبير الوقت. فكيف يتصرف الآباء في هذا الحيز الزمني الذي يخلفه الصيف٬ وهو المعروف بطول نهاره وحرارة طقسه؟ وفي غياب تام لأي فضاء يمكن أن يشكل متنفس لشبابنا٬ ومحل جذب لأطفالنا. على مستوى مدينتنا.

إذا كان الحي في الماضي هو الحاضن الرئيسي للأطفال أثناء العطلة، حيث يقضون فيه جل الأوقات٬ ففضاؤه لا يضجر ويسمح لهم بممارسة شغفهم باللهو والمرح، والأقران بعضهم لبعض أنيس ورفيق٬ والأب هو أب الجميع في حال حدوث أي مناوشات بين ابنه وأبناء الجيران. وللألعاب الشعبية حينها، حضور وازن في حياة الطفل، على فلكها يدور اهتمامه، تقتطع من وقته الشيء الكثير، ولا يخفى ما لها من فوائد في النمو الذهني للطفل، وتطوير المهارات الحس حركية٬ وتعزيز الجانب العلائقي في شخصيته، وأما الكتابيب القرآنية فلا يخلو منها زقاق، وتحظى بنصيب وافر من وقت الطفل، مكملة مهمة المدرسة في التربية والتكوين∙

قارن هذا مع أحيائنا التي تدعى تعسفا عصرية٬ وكيف تكون كذلك، وهي تفتقر إلى كل ما يمت إلى قيم العصرنة والتمدن لا مرافق ثقافية، لا مساحات خضراء، لا ملهى للأطفال، لا نوادي رياضية٬ والأنكى وقاصمة الظهر٬ أنها مصدر للإصابة بكل أنواع الحساسيات٬ بما تكدس فيها من الأتربة والنفايات٬ إنها باختصار فضاء منفر ومضر بالصغار والكبار. لا تشجع على المكوث بها٬ أو الركض بين دروبها والتمتع بقضاء وقت بين أحضانها. أباء اليوم كل منهم يريد أن يكون اتراب ابنه في خدمة ولده، يسعون في سعادته بتلبية رغباته وتحقيق ذاته على حساب ذوات الآخرين، الشيء الذي يوقع بينهم الكثير من المشاحنات وقطع العلاقات المفضية بالجميع إلى التسمر في البيوت. ليس له إلا لعبه الخاصة والتي تغدو مملة في كثير من الحالات، أو حبس النفس أمام الشاشات بمختلف أنواعها والتي هي اليوم آسرة لقلوب وعقول فلذات أكبادنا. والتي نفعها يسير أمام ما قد تسببه من آفات صحية لا تخفى على كل متتبع لما تجود به السوق التكنلوجية في هذا المجال. وكما يشهد بذلك الخبراء.

ما العمل؟ فإذا كان البعد التربوي غائب في السياسات العمومية٬ والمجتمع المدني يلهث وراء مشاريع التنمية البشرية للظفر بمنح المؤسسات العمومية٬ والأحزاب منشغلة باستقطاب أصحاب “الشكارة “للكسب الانتخابي، أما الطفل فله رب يرعاه. أمام وضع هذه بعض تجلياته٬ لا يبقى لكل أب إلا التفكير في الخلاص الفردي، حتى تمر العطلة بأقل الخسائر أو جني أكبر الفوائد.

فالرعاية الأبوية لا ينبغي أن ينقطع مددها طول السنة٬ فهي لا ينبغي أن تفتر أو تتعطل وإنما يتغير المنهج والموضوع والفضاء حتى لا يحصل الملل والقنوط. فالطفل في حاجة إلى معرفة آداب السلوك في ملهى الألعاب وفي الشارع والشاطئ والملعب … وخصوصا إذا كان اللعب هو عمل بالنسبة للطفل كما تذكر الطبيبة والفيلسوفة الإيطالية “ماريا مونتيسوري” وبالتالي فهو يحظى بمكانة بالغة الأهمية في حياة الطفل، وتؤكد الدراسات التي قام بها العديد من المربين أنه يسهم في تكوين النظام الأخلاقي المعنوي للناشئة، أما المربية السوفياتية “جوكو فسكايا “فقامت بتجارب هامة، كان هدفها أن الأطفال يعكسون الظواهر والأحداث والشخصيات في لعبهم∙ مقتضى هذا الكلام، أن المصاحبة الأبوية للطفل أثناء اللعب ∙ لا تقل أهمية عن المصاحبة التعليمية .وفي العطلة مجال لكل هذا وخصوصا إذا تزامنت مع عطلة الآباء ∙فإذا كانت المدرسة قد أهملت التربية وانحصر العمل على تدريس العلوم والمعارف،

ويمتد الانشغال عليها في البيت أيضا لكثرة الواجبات التي ترافق الطفل إلى البيت، الشيء الذي لا يبقى معه مجال للاهتمام بغير ما هو مدرسي وإن لم تحصل القناعة بجدواه وجميل أن نذكر هنا بنتيجة دراسة بريطانية على أطفال في سن 4-7أن حصيلتهم اللغوية ازدادت لدى الذين أبدوا اهتماما خاصا باللعب بالسفن وبنائها ونظام العمل فيها∙ ولكل لعبة مردود تعلمي. هكذا نرى أن اللعب يصبح وسيطا تربويا إذا خضع لأهداف تربوية محددة تتحصل بها المتعة والغنيمة المعرفية التي نشكو جميعا من ضعفها∙

وإن أساليب تمضية الوقت في البيت بما هو مفيد ومسلي غير معدومة، فالحكاية وفك الألغاز والطرفة والنادرة، والألعاب المعرفية كالكلمات المتقطعة أو المسهمة وغيرها كثير وتبادل الزيارة مع الأقارب والمعارف، وحفظ القرآن الكريم والسنة والشعر والحكم∙ ودعم الطفل فيما هو محتاج إلى دعمه حيث الزمن المدرسي يحبس الاهتمام بمتعلقاته فقط.

أما الرهان الاكبر الذي لا ينبغي أن يخسر والذي نخجل جميعا عند الاطلاع على الأرقام التي تبرهن على أمة إقرأ لا تقرأ ∙فخلق وتنمية حب القراءة وتخصيص وقت للمكتبة العمومية وزيارة المآثر التاريخية بالمدينة بالتحفيز المناسب كفيل بتحسين نسبة المقروئية، وتبقى المشاركة والاهتمام بما يقرؤونه من أهم التحفيزات∙

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*