آلاء الكسباني: السيقان التي هزت القومية العربية

في ظل الانشقاق السياسى والاجتماعى والنفسى حول ما يحدث في القدس المحتلة، وما بين أناس يغردون في كل مكان عن ردود الأفعال الفلسطينية التي تسببت في قتل مدنيين إسرائيليين انتقاماً للعدوان الواقع على الأرض والأهل، وبينما الأمة العربية تغلى مراجلها، لم ينتبه زمرة لا بأس بها من المصريين -رجالاً ونساءً- إلا لسيقان السعوديات، حيث تزامنت الأحداث الفلسطينية مع القبض على عارضة أزياء سعودية لارتدائها “شورت” في جلسة تصوير بالمملكة، وهو ما رفضته النساء السعوديات، ليخرجن عن صمتهن، ويصورن سيقانهن فى تغريدات على تويتر تحت هاشتاج “النقاب لا يمثلنى”.

ورغم إننى لا أبخس المشهد حقه، فكونه قد حدث مع قضية تمس قلب الأمة العربية وتجعل أي إنسان عاقل يتشتت ما بين مبدأه لرفض العنف والقتل أياً كان شكله، وما بين يقينه من إن التعامل مع الوحوش يجعلك واحداً منهم، وإن أُناس يعاصرون القتل والدمار يومياً لن يوزعوا على مواطني الاحتلال الشيكولاتة والورود، إلا إنه في نظرى لا يقل جسامة وخطورة عما يحدث في السعودية، فأن تسلب أحدهم حقه في أن يرتدى ما يشاء، وأن تتدخل في دولاب ملابسه وتجعله يرتدى ما تراه أنت مناسباً هو أبسط أشكال سلب الحق في امتلاك القرار وحرية الاختيار، وطمس للهوية وانسحاق للذات، إنما أنا مندهشة من تكريس البعض من المصريين حساباتهم على السوشيال ميديا لسب المتضامنات مع المعارضة المقبوض عليها في السعودية، وصنع منصة رأى تحتكم إلى الخوض في الشرف والأخلاق، وفى طبيعة علاقة الفتيات المتضامنات بالله -عز وجل- وذلك في ظل صمتهم الشديد الذى يكاد يُسمِعك صوت صرصور الليل على ما يحدث في القدس، وكأن الدين مرتبط فقط بأجساد النساء!

****

مازلت أذكرها، “ف” صديقة الكلية، أول من تعرفت عليها في المدرج الكبير الممتلئ عن آخره بشباب وفتيات انتقلوا من جحيم الثانوية العامة مباشرةً إلى أهوال جامعة القاهرة العريقة، ورغم أننى كنت بشهادة من حولى اجتماعية جداً، إلا إن الانفتاح الذى شعرت به فجأة كفتاة مغتربة ترى البشر لأول مرة كما يقولون بالمصرى “على كل لون يا باطيسطا” لجمت لسانى، وحددت من اجتماعيتى، لأجلس منزوية في نهاية “البنش”، فتأتى “ف” لتربت على كتفى وتعرفنى بنفسها بابتسامة واسعة وصادقة من القلب، ولتجرنى لشلتها الخاصة، التي كونتها في أول يوم فقط في الجامعة!

كانت “ف” فتاة في منتهى الحيوية والنشاط، وكنت أقدر حقاً وقوفها بجانبى في أول سنة اغتراب، لكن كل ما فعلته لى ذهب سدى بمجرد أن دلفت إلى المدرج في أحد الأيام مكشوفة الشعر، ليتسمر الكثير، بينما لم يعبأ سوى عدد قليل جداً، وليحدق فيها كل مار بشدة، وتتوالى الغمزات واللمزات، ومِن مَن؟ صانعو سياسات الأمة المستقبليين، طلبة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومن ضمنهم، أنا، صديقتها المقربة.

لم يكد يجد أحدهم فرصة للحديث معها حول حرمانية الأمر إلا وفعل، وإن لم يستطع، فهو يتحدث عنها مع زملاءه حين تمر أمامهم، لم يهتم أحد بسؤالها عن مشاعرها، أو ما دفعها لفعل هذا، إنما فقط بإنه حرام، حرام، حرام، يوم كامل من “حرام”، وهى لا تقابل هذا سوى بابتسامة باهتة جداً.

عادت “ف” في اليوم التالى وهى ترتدى الحجاب، شعرت بإن روح الانتصار تهفهف على كل من صرخ فيها “حرام”، لكنها لم تعد في تعاملها معى مثلما كانت، أصبحت تنسحب تدريجياً من ارتباطها بى مع الإبقاء على مسافة من الود.

وبعد مرور أسبوع على واقعة خلع “ف” للحجاب، انتشرت أنباء عن بداية إنشاء جدار فولاذى على حدود مصر مع غزة، لكنى لا أظن إن الخبر قُبِل بين طلبة الدفعة بنفس الاستياء الذى قابلوا به خلعها للحجاب، حتى أنا لم أهتم كثيراً!

****

لازالت واقعة “ف” تطاردنى في أي موقف أرى فيه من يتذكر الدين وحرامه وحلاله حين يتعلق الأمر بأجساد النساء فحسب، ومدى حجم وطول القماش الذى يجب أن يغطيه من وجهة نظره، مع إن الأمر لا يخصه البتة، في حين لا يثور هذا العرق الدينى في نوازعه، ولا تغلى أحشاؤه إذا ما تعرض أحدهم للقتل أو الانتهاك.

ولعل ما يفسر هذا يا سادة، هو إن من يثور على حق اختيار فرد فقط لإن هذا الفرد امرأة، لا يثور حمايةً للدين أو حفاظاً على الأخلاق، وإنما لإنه قادرعلى أن يمارس سلطته على هذا الفرد، الذى يعد في نظره ضعيفاً بما يكفى لأن يفرض عليه توجهاته الخاصة، وما أسهل النيل من أحد مخالفينك في الرأي باعتباره إنسان غير منطقى لا يعى ولا يسمع ولا يعرف أين الحق الواجب الاهتداء له، وهو ما يعطى ذلك الذى يأخذ حق أن يصم من يختلفون عنه باختيارهم الفردى الحر عنوة، المقدرة المجردة من أي إنسانية في أن يمارس توجهاته على من يراه أضعف، في حين إنه لن يقدر على مواجهة سلطات الاحتلال في إسرائيل مثلاً، فيتعامى عن الأمر، ويدير ظهره إليه كأن لم يكن، ويدارى سوءة صمته العاجز بوصم امرأة اختارت أن تكشف عن شعرها أو ساقيها!

أذكر واقعة “ف” الآن وأنا أرى رغماً عنى تعليقات المصريين على نساء السعوديات العاهرات الفاجرات، وأتساءل: “هو احنا كستات مصريات قصرنا معاكم فحاجة عشان تبطلوا تتدخلوا في حياتنا وتتجهوا للقومية العربية”؟!

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*